Categories
مقالات ناصر اليوسف

ناصر اليوسف‮.. ‬تجلي‮ ‬البصيرة

كتب ‬فريد رمضان‮:‬

حين فقد بصره قبل أكثر من عشر سنوات،‮ ‬لم تسقط الفرشاة من‮ ‬يد هذا الفنان الذي‮ ‬عاصر تاريخ الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين مع إرهاصاتها الأولى،‮ ‬وانفجارها الخاص مع رواد الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين الذين ساهموا في‮ ‬تشكيل فن تشكيلي‮ ‬تجاوز الممكن إلى المستحيل‮. ‬وتعد تجربة الفنان ناصر اليوسف أكبر تحد للفنان التشكيلي‮ ‬البحريني‮ ‬حين دخلت تجربة مرحلة المستحيل وبدأ‮ ‬يرسم،‮ ‬ويحفر،‮ ‬وفي‮ ‬الحفر‮ (‬الغرافيك‮) ‬إبداع‮ ‬يتطلب تحد من نوع خاص،‮ ‬خاضه الفنان ناصر اليوسف بجرأة المبصر والمدرك تماما لتجربته وهو ما دلت عليه الأعمال التي‮ ‬نفذهااليوسف من خلال الحفر أو ما‮ ‬يعرف‮ (‬باللاينوكات‮)‬،‮ ‬ونجح فيه بشكل لافت بل ومثير للدهشة ويستحق الدرس‮. ‬نعم إن هذه التجارب الفنية التي‮ ‬خاض‮ ‬غمارها هذا الفنان تتطلب وعياً‮ ‬مهماً‮ ‬لقراءتها،‮ ‬وهو الفنان الذي‮ ‬يعد من مؤسسي‮ ‬الحركة التشكيلية البحرينية،‮ ‬ومن ثم تجربة الازدهار التشكيلي‮ ‬عند اليوسف،‮ ‬والأهم مرحلة فقد البصيرة،‮ ‬واشتغاله على الحفر،‮ ‬واعتماده على مدى تنبيه حاسة اللمس،‮ ‬والحفر في‮ ‬قيمته الإبداعية تنهض قيمة التحسيس التي‮ ‬تحول ملمس الأصابع إلى اللوحة في‮ ‬تطور إنتاجها على هذه الحاسة بدرجة عالية،‮ ‬ولعل معرضه التشكيلي‮ ‬الذي‮ ‬أقامه هذا الفنان العام الماضي‮ ‬في‮ ‬سبتمبر‮ ‬2005‮ ‬في‮ ‬صالة دار البارح تحت عنوان‮ ”‬تجلي‮ ‬البصيرة‮” ‬وهو المعرض الذي‮ ‬لم‮ ‬يستطع حضور افتتاحه بسبب المرض،‮ ‬وهو التحدى الواضح الذي‮ ‬يوحي‮ ‬به عنوان المعرض،‮ ‬في‮ ‬التجلي‮ ‬حيث‮ ”‬علاه أو الشيء نظر إليه مشرفاً‮” ‬وهو هنا‮ ‬يقول لنا إنه علّى البصيرة وتجلّى بها،‮ ‬وضع من خلال عدم البصيرة بصيرة أخرى أكثر تجلياً،‮ ‬وأبلغ‮ ‬رؤية‮.‬

في‮ ‬هذا المعرض قدم الفنان الراحل ناصر اليوسف رسالة تستبطن رحلته مع الفن التشكيلي،‮ ‬قائلا ببلاغة المبصر،‮ ‬إن الفنان التشكيلي‮ ‬لا‮ ‬يحتاج لعينيه ما دام قلبه‮ ‬ينبض بالنور،‮ ‬وقلبه‮ ‬يكتشف العالم بتحد،‮ ‬وهو‮ ‬يمسك ادوات الحفر ويتحسس اعماله عبر بلاغة متواترة،‮ ‬حين عرض وقتها أكثر من أربعين لوحة تعبر جميعها،‮ ‬بل ان اعمال اليوسف في‮ ‬مجملها منذ الرسم بالزيت والحفر،‮ ‬لم‮ ‬يغادر التراث البحريني‮ ‬الشعبي،‮ ‬يغوص في‮ ‬عمق تفاصيله وتجلياته الجميلة مثل الرقصات والألعاب الشعبية التي‮ ‬طواها النسيان‮. ‬يرسم ويحفر في‮ ‬ذاكرة المكان حيث الأحياء القديمة والطرقات الضيقة،‮ ‬وعلاقة الإنسان البحريني‮ ‬بهذا المكان وتجسيده للعلاقات الاجتماعية‮.‬

‮ ‬هذه الأعمال التي‮ ‬عكف الفنان ناصر اليوسف بعد فقدانه النظر على العمل بها وتقديمها في‮ ‬معارض عديدة جماعية وفردية أكدت على مواهبة لا‮ ‬يمكن تجاوزها عند الحديث عن تاريخ الريادة التشكيلية في‮ ‬البحرين،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬جعل كل من‮ ‬يعمل في‮ ‬المجال التشكيلي‮ ‬أو‮ ‬يتواصل معه من التوقف أمام تجربة اليوسف سوى في‮ ‬انطلاقتها المبكرة مع الفنانين الآخرين،‮ ‬أو في‮ ‬التزامه المتواصل في‮ ‬مسك الريشة وادوات الحفر،‮ ‬وخلط الألوان،‮ ‬وفي‮ ‬تمازجات اللون الأبيض والأسود وتدرجاتها في‮ ‬نتائج الحفر،‮ ‬حيث كان‮ ‬يعتمد في‮ ‬تنفيذ أعماله على الورق والحفر حيث‮ ‬يقوم في‮ ‬بداية الأمر بقطع الشكل المطلوب من الورق بواسطة المقص ومن ثم‮ ‬يضع هذا الشكل على قطع خشبية ويبدأ حفرها للوصول للشكل المطلوب بواسطة اللمس حتى‮ ‬يصل إلى طباعة الشكل المحفور على الورق فتظهر في‮ ‬الأخير لوحة تشكيلية واضحة‮.‬

البدايات ونواة التأسيس التشكيلي‮ ‬في‮ ‬الشعر والحفر

‬لقد مثلت تجربة الفنان ناصر اليوسف مع مجايليه تجربة الريادة التشكيلية في‮ ‬البحرين رغم تأكيده أنه استفاد من تجارب بعض الفنانين من أمثال سلمان الصباغ‮ ‬والفنان عبدالكريم العريض التي‮ ‬كما‮ ‬يقول‮ (‬كنت أقف مبهورا أمامها وأتمنى ان ارسم مثلها‮)‬،‮ ‬كما‮ ‬يؤكد هذا الفنان بتواضع سمح كيف استفاد من فنان مثل أحمد السني‮ (‬لما قدمه لنا من مساعدات مكنتنا من تلمس طريقنا في‮ ‬الأداء الفني‮)‬،‮ ‬وكذلك دور الفنان عزيز زباري‮ ‬الذي‮ ‬استفاد من تجربة‮.‬

إذن من هنا،‮ ‬من تلاقي‮ ‬التجارب وتلاقحها تمثلت مجموعة الرواد النواة التي‮ ‬بدأت تجتمع في‮ ‬أيام الجمعة في‮ ‬احدى القرى القريبة من المنامة ليرسموا معالمها مثلما‮ ‬يذكر عبدالكريم العريض،‮ ‬ثم تحولوا إلى العناصر المحلية،‮ ‬بعضها كان‮ ‬يثير اهتمام الجالية الأوروبية فيقتنوها كنوع من التذكار السياحي،‮ ‬وقد تقاطرت معارض هذه الفترة في‮ ”‬نادي‮ ‬بابكو‮” ‬مثلما‮ ‬يؤكد عبدالكريم العريض،‮ ‬ذاكرة الحركة التشكيلية البحرينية،‮ ‬تراجعت مع الأيام اللوحة الفلكلورية التسويقية أمام اللوحة التي‮ ‬تستمد خصائصها الروحية من البيئة الحضرية والجغرافية بشكل عفوي،‮ ‬ولقد كانت تجربة الفنان ناصر اليوسف في‮ ‬بداياتها تعبر بشكل مباشر عن البيئة،‮ ‬وقد عبرت رؤيته المتواضعة في‮ ‬ذلك الوقت عن أنطلاق شفيف في‮ ‬تجسيد البيئة الشعبية بشكل انطباعي‮ ‬نجح في‮ ‬فترات لاحقة من عمره من تجريد هذه البيئة ورسمها بالحفر ببلاغة فنية نجح فيها بقدر كبير‮. ‬ولقد كانت تجربته في‮ ‬التجريد في‮ ‬ديوان علي‮ ‬عبدالله خليفة‮ (‬عطش النخيل‮) ‬حين رسم الشعر بالريشة،‮ ‬وكانت أول تجربة‮ ‬يتقاطع فيها الشعر بالتشكيل‮.‬

‮ ‬ولقد كان الفنان ناصر اليوسف من أول من زار مهرجان أصيلة مع مجموعة من الفنانين البحرينين من أمثال الفنان عبدالكريم البوسطة والفنان إبراهيم بوسعد،‮ ‬ومن هناك تفتح إداركهم على فن الحفر وتعلموا فن الطباعة على الزنك والنحاس بالاضافة إلى فن‮ (‬اللاينوكات‮)‬،‮ ‬فاضاف إلى خبراته في‮ ‬الرسم المائي‮ ‬والزيت فن جديد سوف‮ ‬يشكل علامة فارقة في‮ ‬حياته،‮ ‬فتحمس لهذا الفن وقام شخصيا باحضار أدوات الحفر وشكل مع أول مجموعة أول معرض للحفر‮. ‬جامعا بذلك حسيات عالية التقطها من تفجير الصور الشعرية في‮ ‬تجربته‮ (‬عطش النخيل‮) ‬أو من أحساسه العالي‮ ‬بالموسيقى في‮ ‬تجسيد الرقصات الشعبية والشعور بالترتيب الصوتي‮ ‬والإيقاعي‮ ‬للموسيقى في‮ ‬اللوحة‮.‬

‬لا‮ ‬يمكن لنا في‮ ‬هذه العجالة تقديم قراءة تنصف تجربة هذا الفنان العبقري،‮ ‬والذي‮ ‬نعتقد ان تجربة مثل تجربته تحتاج لتفكيك وقراءة متأنية لزخمها الفني‮ ‬والإبداعي‮ ‬من جهة،‮ ‬ولارتباطها العميق بالبيئة المحلية والشعبية من فنون الغناء والرقص من جهة أخرى‮.‬

[TABLE=2]
الوطن البحرينية – فريد رمضان – ١٧ يونيو ٢٠٠٦

Categories
مقالات ناصر اليوسف

حين رسمت مواويل علي‮ ‬عبد الله خليفة في‮ ‬عطش النخي

بقلم‮: ‬ناصر اليوسف‭*

في‮ ‬المحرق ولدت العام‮ ‬‭,‬1940‮ ‬وعندما أذكر المحرق تتداعى إلى ذاكرتي‮ ‬نبضات من الذكريات‮.. ‬أتذكر بيت البقشى الذي‮ ‬ولدت فيه بحوشه الواسع ودهليزه الطويل والباب الكبير‮ (‬أبوخوخه‮) ‬وحجرة على اليسار من الداخل‮ ‬يوجد فيها صندوق كبير تبرق مساميره المذهبة وهو موضوع على أربع أسطوانات خشبية محزوزة في‮ ‬الوسط‮. ‬وأتذكر أن تلك الأسطوانات كانت ملونة بخطوط عريضة،‮ ‬الأصفر والأخضر في‮ ‬الوسط ثم الأصفر والأحمر مرة أخرى‮.. ‬وإلى جانب ذلك الصندوق سلة كبيرة من الخيزران المجدول‮ ‬يتكرر فيه الخوص الملون بالأحمر والأخضر‮.. ‬هي‮ ‬ذكريات بعيدة‮.. ‬كل ما بقي‮ ‬منها في‮ ‬ذاكرتي‮ ‬الألوان والزخارف‮.. ‬وأتذكر عندما انتقلنا إلى المنامة‮.. ‬كنت في‮ ‬الثامنة من عمري‮.. ‬أتذكر البيت الذي‮ ‬سكناه في‮ ‬المنامة‮.. ‬أتذكر منه الدهليز والجليب وحجرة السعف‮ (‬حجرة كان‮ ‬يجمع فيها السعف لاستعماله لإيقاد النار للطبخ‮).. ‬أتذكر الحمام‮.. ‬ذلك الطائر الذي‮ ‬كنت ولا أزال أحبه‮.. ‬كنت قد أهديت زوجا منه فتكاثر‮.. ‬وأتذكر صغاره‮.. ‬ولقد رسمت الحمام كثيرا‮.. ‬كنت أرسمه في‮ ‬الكتب الدراسية وفي‮ ‬دفاتر الرسم وعلى سبورة الصف وعلى جدران بيوت الحي‮ ‬بالفحم‮.‬
تلك ذكريات أصبحت بعيدة الآن بعد أن توالت عليها السنون ولكن مازال بعضها‮ ‬يستعصي‮ ‬على النسيان‮.. ‬منها ذكريات الانبهار تتصدر القاعة لوحة المسرح للأستاذ سلمان الصباغ‮ ‬ولوحة الموناليزا للأستاذ كريم العريض وغيرها من لوحات لا أتذكرها‮.. ‬كنت أقف مبهوراً‮ ‬أمامها وأتمنى أن أرسم مثلها‮.‬
وقد كان للأستاذ كريم العريض فضل لا‮ ‬يمكن أن أنساه فقد اختارني‮ ‬في‮ ‬جمعية الرسم بالمدرسة وكنت في‮ ‬الصف الرابع الابتدائي‮ ‬وكان‮ ‬يحثنا دائما على العمل والإنتاج،‮ ‬ويعلق ما ننتجه في‮ ‬الصف وقاعة المدرسة مما كان له أثر كبير في‮ ‬إذكاء رغبتنا وتنمية هوايتنا للرسم‮.‬
وفي‮ ‬المدرسة الثانوية كان هناك أستاذ آخر كان له فضل كبير علينا هو الأستاذ أحمد السني‮ ‬الذي‮ ‬نحتفظ له بأجل التقدير لما قدمه لنا من مساعدات مكنتنا من تلمس طريقنا في‮ ‬الأداء الفني‮.‬
ولقد كنت أشارك في‮ ‬جميع المعارض المدرسية في‮ ‬المدرسة الابتدائية والثانوية‮. ‬ولكن أول معرض‮ ‬غير مدرسي‮ ‬شاركت فيه كان العام‮ ‬‭,‬1957‮ ‬في‮ ‬المعرض الزراعي‮ ‬الذي‮ ‬أقيم في‮ ‬حديقة الأندلس وكانت مشاركتي‮ ‬فيه بلوحة‮ ”‬سهرة شتوية‮” ‬تمثل عائلة حول المنقلة التي‮ ‬يتوهج فيها الجمر وحوله‮ ‬غوري‮ ‬الشاي‮ ‬ودلة القهوة‮.‬
وبعد أن تخرجت من قسم المعلمين عينت مدرساً‮ ‬في‮ ‬مدرسة السلمانية الابتدائية وكان‮ ‬يدرس فيها أيضا الفنان القدير عزيز زباري،‮ ‬وقد استفدت منه كثيراً،‮ ‬وهو بدوره لم‮ ‬يكن‮ ‬يبخل علي‮ ‬بأي‮ ‬معلومات فنية‮.. ‬ثم انضممت إلى أسرة هواة الفن‮.. ‬وبدأت المسيرة الحقيقية في‮ ‬حياتي‮ ‬الفنية‮.. ‬كانت لقاءاتنا‮ ‬يومية تقريباً‮ ‬في‮ ‬الأسرة‮.. ‬كريم العريض‮.. ‬كريم البوسطه‮.. ‬راشد سوار‮.. ‬راشد الغريفي‮.. ‬عزيز زباري‮ ‬تلك اللقاءات كان لها أثر كبير في‮ ‬تكويننا الفني‮.. ‬من خلال النقاش الذي‮ ‬كان‮ ‬يدور بيننا‮.. ‬وكانت تغذي‮ ‬ذلك النقاش المقالات الفنية التي‮ ‬كنا نقرأها في‮ ‬المجلات والصحف الصادرة‮ ‬في‮ ‬تلك الأيام مثل الفكر المعاصر والمجلة والفنون والمعرفة السورية وغيرها‮.. ‬وإلى جانب تلك اللقاءات كنا نخرج إلى المدن والقرى في‮ ‬كثير من أيام الجمع والعطلات الرسمية لنرسم من الطبيعة،‮ ‬وقد رسمنا الكثير‮.. ‬في‮ ‬المقاهي‮ ‬والحارات الشعبية والبساتين والبحرين والسفن‮.. ‬وأقمنا معارض عدة في‮ ‬المعهد الثقافي‮ ‬البريطاني‮ ‬ونادي‮ ‬بابكو والنوادي‮ ‬الأهلية من تلك الرسومات والاسكتشات التي‮ ‬كنا نرسمها في‮ ‬تجوالنا‮.. ‬وفي‮ ‬العام‮ ‬‭,‬1967‮ ‬أقامت شركة كريراس كرافن‮ ”‬أ‮” ‬مسابقة لاختيار أعمال من الدول العربية وكانت البحرين إحداها وكنت سعيدا أن تكون إحدى لوحاتي‮ ‬ضمن المجموعة التي‮ ‬اختيرت من البحرين وقد طاف المعرض في‮ ‬سبع دول عربية وثلاث دول أوروبية‮.‬
وأذكر أنه عند تجوالنا لفتت نظري‮ ‬الزخارف الجصية الشعبية في‮ ‬واجهات بيوت قرية الدراز وبعض بيوت المحرق والمنامة فكنت أسجل كل نوع من تلك الزخارف في‮ ‬كراستي‮.. ‬وكنت مهتما بحكايات الغواصين فاختمرت لدي‮ ‬فكرة أن أرسم بعض تلك الحكايات وبدأت أعد الاستكشات والرسومات التخطيطية لها وأجمع القصص التي‮ ‬تحكي‮ ‬عن الغوص من كبار السن‮.. ‬وصدر ديوان الشاعر الكويتي‮ ‬محمد الفايز‮ ”‬النور من الداخل‮” ‬وقرأته أحسست أنه‮ ‬يجسد ما كنت أبحث عنه من معان وبدأت أرسم لوحاتي‮ ‬السبع عن الغوص وكانت من الحجم الكبير ومرسومة بالزيت وعندما انتهيت عرضتها في‮ ‬معرض أسرة فناني‮ ‬البحرين في‮ ‬الكويت العام‮ ‬‭,‬1969‮ ‬وكانت فرحتي‮ ‬كبيرة وأنا أجد الصدى الطيب للوحاتي‮ ‬تلك ولقد اختارت مجلة العربي‮ ‬الكويتية إحدى لوحاتي‮ ‬وهي‮ ”‬عرس الغواص‮” ‬ونشرتها في‮ ‬غلافها الداخلي‮ ‬بالألوان في‮ ‬العدد‮ ‬11‮ ‬الصادر في‮ ‬ديسمبر‮ ‬‭,‬1969‮ ‬وبعد عودتي‮ ‬إلى البحرين بفترة طلب مني‮ ‬الصديق الشاعر علي‮ ‬عبد الله خليفة أن أرسم مواويله الشعبية التي‮ ‬كان‮ ‬يعدها لتصدر في‮ ‬ديوانه‮.. ‬وفعلاً‮ ‬بدأت العمل فيها‮.. ‬وطبع ديوان‮ ”‬عطش النخيل‮” ‬للشاعر علي‮ ‬عبد الله خليفة محتوياً‮ ‬على رسوماتي‮.. ‬ولقد أفادتني‮ ‬تلك الرسومات وعملت منها لوحات زيتية عرضتها في‮ ‬معرض أسرة فناني‮ ‬البحرين في‮ ‬نادي‮ ‬النسور العام‮ ‬‭.‬1970
وعندما بدأت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إقامة المعرض التشكيل السنوي‮ ‬لفناني‮ ‬البحرين،‮ ‬وأكملت مسيرة ذلك المعرض وزارة الإعلام كانت حصيلتي‮ ‬منه ما‮ ‬يلي‮:‬
1‮)‬ميدالية العشرة الأوائل في‮ ‬المعرض الأول‮ ‬‭.‬1972
2‮)‬شهادة تقديرية في‮ ‬المعرض السادس‮ ‬‭.‬1977
3‮)‬شهادة تقديرية في‮ ‬المعرض السابع‮ ‬‭.‬1978
4‮)‬جائزة دلمون الأولى في‮ ‬المعرض الثامن‮ ‬‭.‬1979
5‮)‬جائزة دلمون الأولى في‮ ‬المعرض التاسع‮ ‬‭.‬1980
6‮)‬ميدالية من المعرض العاشر‮ ‬‭.‬1981
وكنت عندما تخصصت أسرة فناني‮ ‬البحرين في‮ ‬المسرح الموسيقي‮ ‬قد انضممت إلى جمعية الفن المعاصر وبدأت أشترك في‮ ‬معارضها وساهمت في‮ ‬النشاطات والفعاليات الآتية‮:‬
1‮-‬مثلت البحرين في‮ ‬اجتماع الأمانة العامة لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب في‮ ‬الإسكندرية العام‮ ‬1976‮ ‬مع الفنانين اسحق خنجي‮ ‬وأحمد العريفي‮.‬
2‮-‬شاركت في‮ ‬تجمع أصيلة الثقافي‮ ‬والفني‮ ‬الذي‮ ‬أقيم في‮ ‬مدينة أصيلة في‮ ‬المغرب العام‮ ‬‭,‬1980‮ ‬مع كريم العريض وإبراهيم بوسعد وكامل بركات واسحق خنجي‮.‬
3‮-‬شاركت مع وفد البحرين في‮ ‬معرض الخليج للفنون التشكيلية الأول بدولة قطر العام‮ ‬‭.‬1980
4‮-‬قمت مع الإخوان كريم العريض وإبراهيم بوسعد وكامل بركات واسحق خنجي‮ ‬بزيارة إلى المتاحف المهمة في‮ ‬باريس ولندن وأمستردام‮.‬
5‮-‬كنت من ضمن الوفد الذي‮ ‬اختارته وزارة الإعلام الذي‮ ‬أقام معرضا تشكيليا لأول مرة في‮ ‬سنغافورة العام‮ ‬1981‮ ‬وكان الوفد برئاسة الدكتور محمد الخزاعي‮ ‬مدير إدارة الثقافة والفنون في‮ ‬وزارة الإعلام وعضوية كل من كريم العريض ويوسف قاسم وراشد الخليفة وناصر اليوسف‮.‬
6‮-‬كتبت عدداً‮ ‬من المقالات عن الفنون التشكيلية في‮ ‬الصحف والمجلات المحلية وشاركت في‮ ‬بعض الندوات الفنية‮.‬
؟ كتب الفنان ناصر اليوسف هذه الشهادة في‮ ‬منتصف الثمانينات في‮ ‬كتاب‮ ”‬رواد الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين‮” ‬من إعداد عبد الكريم العريض وأحمد نشابه‮. ‬وقامت وزارة الإعلام بطبعاته من دون تحديد سنة الطبع‮.

Al-Watan :: Nasser Al-Yousif :: 17 June ’06

Categories
مقالات ناصر اليوسف

‬الفنانون‮: »‬وداعا ناصر اليوسف‮« فنان تحدى عائق العمى متجلياً ‬ببصيرة اللون

استطلاع‮ -‬علي‮ ‬الستراوي‮:‬

ودعنا فجر أمس‮ (‬الجمعة‮) ‬الفنان التشكيلي‮ ‬ناصر اليوسف،‮ ‬الذي‮ ‬يعد من مؤسسي‮ ‬ورواد الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين وصاحب مدرسة أضاف فيها الكثير من أبعاد الفن التشكيلي‮ ‬المتصل بالحس المحلي‮ ‬والشعبي‮. ”‬الوطن الثقافي‮” ‬استطلعت آراء الفنانين التشكيلين والمثقفين الذين عرفوا مدرسة اليوسف وسجاياه وإبداعاته الفنية‮. ‬
اليوسف مرجع للجميع
يرى الفنان عبد الكريم البوسطة أن‮ ”‬اليوسف أحد مؤسسي‮ ‬الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين،‮ ‬استطاع أن‮ ‬يلم شمل أصحابه وأحبابه،‮ ‬وهو من مؤسسي‮ ‬جمعية البحرين للفن المعاصر ورائد من رواد الحركة التشكيلية‮. ‬استطاع بما‮ ‬يتمتع به من عقلية متزنة أن‮ ‬يرتقي‮ ‬بالجمعية من خلال معارضها‮. ‬
وكان اليوسف‮ ‬يبذل جهداً‮ ‬بكل معنى الكلمة من خلال دعمه المادي‮ ‬ووقته،‮ ‬فهو مرجع الجميع عندما تعتري‮ ‬أحدنا مشكلة ما‮. ‬وكنت مرتبطاً‮ ‬به ارتباطا حميميا أخويا امتد منذ‮ ‬1956عندما كنا طلبة في‮ ‬المرحلة الثانوية وكان استاذنا في‮ ‬ذلك الوقت المرحوم أحمد قاسم السني،‮ ‬فكانت بدايتنا مع بعض،‮ ‬والحديث عن اليوسف ذو إكبار لأن حضوره كان جلياً‮ ‬في‮ ‬ساحتنا التشكيلية وفقده خسارة نعزي‮ ‬فيها أنفسنا أولاً‮ ‬وثانياً‮ ‬أهله،‮ ‬داعين ألا‮ ‬يريهم الله مكروهاً‮ ‬في‮ ‬عزيز‮”.‬
مدرسة تشكيلية متفردة
الدكتور راشد نجم‮ ‬يقول‮: ‬فاجأتنا الأيام ونحن نلهث وراء بريقها برحيل عزيز علينا في‮ ‬غفلة من الزمن‮ – ‬وخصوصاً‮ ‬هذا العام‮ – ‬فكأننا على موعد مع رحيل كثير من وجوه الفن والأدب في‮ ‬الخليج والوطن العربي‮ .. ‬فها هو الفنان التشكيلي‮ ‬البحريني‮ ‬الكبير ناصر اليوسف‮ ‬يرحل عنا ويغادر دنيانا ليعلن برحيله طي‮ ‬صفحة جميلة من صفحات رواد مسيرة الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين‮.. ‬فهذه مشيئة الله في‮ ‬خلقه ولا راد لقضائه‮.‬
يمثّل الفنان الراحل ناصر اليوسف مدرسة تشكيلية متفردة لا‮ ‬يجاريه فيها فنان آخر،‮ ‬فهي‮ ‬مدرسة تشكّل فيها البيئة البحرينية والتراث الشعبي‮ ‬ومأثوراته والحياة اليومية بكل مجرياتها ومكوناتها مفصلاً‮ ‬مهماً‮ ‬من مفاصل أعماله ومصدراً‮ ‬لإلهامه الذي‮ ‬لا تخلو أية لوحة منه،‮ ‬وخصوصاً‮ ‬طائر الحمام الذي‮ ‬ارتبط به منذ طفولته الأولى في‮ ‬مدينة المحرق التي‮ ‬ولد فيها العام‮ ‬1940‮ ‬حتى انتقاله إلى المنامة حوالي‮ ‬العام‮ ‬1948‮ ‬إذ كان‮ ‬يربّي‮ ‬الحمام في‮ ‬منزله ويتكاثر أمامه فكان‮ ‬يرسمه على كل شيء بدءا من دفاتر الرسم مروراً‮ ‬برسوماته الأولى على جدران البيوت في‮ ‬الحي‮ ‬الذي‮ ‬يسكنه حتى أعماله الفنية الكبيرة وانتهاء بأغلفة دواوين الشعراء البحرينيين‮.‬
تتلمذ‮ -‬رحمه الله‮- ‬على‮ ‬يد فنانين مهمين في‮ ‬مسيرته الفنية هم‮: ‬الفنان التشكيلي‮ ‬الكبير الأستاذ كريم العريض‮ -‬أطال الله في‮ ‬عمره‮- ‬منذ كان تلميذاً‮ ‬في‮ ‬الصف الرابع الابتدائي،‮ ‬إذ كان له فضل إذكاء روح الفن لديه وإنمائها،‮ ‬ثم الفنان التشكيلي‮ ‬الراحل الأستاذ أحمد السني‮ ‬الذي‮ ‬فتح له الطريق أمام مشاركاته الفنية في‮ ‬المراحل المدرسية المختلفة‮. ‬بعد ذلك انطلق في‮ ‬مسيرته الفنية بعد أن تخرج من قسم المعلمين في‮ ‬مدرسة المنامة الثانوية وعمل فيها مدرساً‮ ‬مع الفنان القدير عزيز زباري‮ ‬حتى انضم إلى أسره هواة الفن وبدأت مشاركاته في‮ ‬المعارض الرسمية،‮ ‬وكان أولها في‮ ‬المعرض الزراعي‮ ‬العام‮ ‬1957‮ ‬وكان‮ ‬يقام في‮ ‬حديقة الأندلس حيث شارك بلوحة اسمها‮ ”‬سهرة شتوية‮”‬،‮ ‬ثم استمر في‮ ‬مشاركاته في‮ ‬جميع المعارض التي‮ ‬كانت تقام سنوياً‮ ‬في‮ ‬البحرين‮. ‬كما أسهم في‮ ‬تأسيس جمعية الفن المعاصر،‮ ‬وأقام عدداً‮ ‬من معارضه الشخصية داخل البحرين وخارجها،‮ ‬وحتى عندما أصيب بالعمى لم‮ ‬يمنعه ذلك من الرسم والمشاركة إذ تحدى هذه العاهة وشارك بلوحاته،‮ ‬وكانت آخر مشاركة رسمية له في‮ ‬معرض البحرين السنوي‮ ‬33‮ ‬للفنون التشكيلية الذي‮ ‬أقيم قبل شهرين فقط في‮ ‬متحف البحرين الوطني‮ ‬برعاية كريمة من سمو رئيس الوزراء حفظه الله‮. ‬
لقد خسرت الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين بفقده رائداً‮ ‬من روادها،‮ ‬إذ كان‮ ‬يمثل مع أصدقاء مسيرته من الفنانين راشد العريفي،‮ ‬وكريم العريض،‮ ‬وعبد الله المحرقي،‮ ‬وأحمد السني،‮ ‬وكريم البوسطة،‮ ‬واسحق خنجي‮ ‬وغيرهم من رواد الحركة التشكيلية الذين أسسوا حركة الفن التشكيلي‮ ‬المعاصر في‮ ‬البحرين ورسموا خطوط مستقبلها من خلال تبنيهم للأجيال الشبابية الحالية من الفنانين‮.‬
رحمك الله‮ ‬يا ناصر اليوسف وأسكنك فسيح جنانه‮. ‬وعزاؤنا أنك ستظل حتى في‮ ‬رحيلك خالداً‮ ‬فينا بأعمالك الفنية وبخلقك وسيرتك الطيبة‮.. ‬إنا لله وإنا إليه راجعون‮”. ‬
من أقرب الفنانين لنفسي
‮ ‬الفنان إبراهيم بوسعد‮ ‬يرى أن ناصر اليوسف أخ وصديق درب،‮ ‬ويقول‮: ”‬دخلنا مشاريع مشتركة كثيرة،‮ ‬فقد كان رائداً‮ ‬تتلمذ الكثيرون على‮ ‬يده‮. ‬ناصر اليوسف الإنسان والفنان الذي‮ ‬يتمتع بخلق عالٍ‮ ‬وتواضع جم،‮ ‬هذا الإنسان الفنان الرائد الذي‮ ‬أسس مدرسة الفن التشكيلي‮ ‬الحديث في‮ ‬البحرين،‮ ‬ومؤسس لغة الحفر ورائده،‮ ‬وهو أول من استورد أدوات الحفر من مكابس وغيرها‮. ‬ويعد ناصر اليوسف خسارة كبيرة ليس على صعيد الفن وحده بل على مستوى شخصي،‮ ‬فهو من أقرب الناس والفنانين على قلبي‮. ‬وبفقده فقدت أخا حميماً،‮ ‬وفقدت الساحة التشكيلية فناناً‮ ‬عشق فنه رغم ما أصابه من علة أفقدته بصره،‮ ‬فرحمة الله عليه،‮ ‬ويظل معنا شاهداً‮ ‬لتاريخ مرحلة فنية كان هو المؤسس لها والرائد لصيرورتها‮”.‬
شد انتباهي‮ ‬منذ بداياتي‮ ‬الأولى
أما الفنان الشاب جعفر العريبي‮ ‬فيقول‮: ”‬إن الفنان ناصر اليوسف‮ ‬يعني‮ ‬لي‮ ‬الكثير،‮ ‬حيث إنه من الفنانين القلائل الذين لفتوا نظري‮ ‬وشدوا اهتمامي‮ ‬بشكل كبير في‮ ‬بداياتي،‮ ‬وبالأخص اللوحة التي‮ ‬يوجد فيها الطير داخل قفص وقط في‮ ‬الخارج‮ ‬يحاول الإمساك به‮. ‬أحسست في‮ ‬أعماله بقيمة فنية رائعة وبتقنية تلوينية متميزة‮. ‬ولا‮ ‬يخفى على أحد أن ناصر اليوسف أنتج أفضل أعماله خلال السنوات الأخيرة،‮ ‬وذلك عن طريق‮ (‬اللانيو‮) ‬على رغم أنه‮ ‬يفتقد البصر لكنه‮ ‬يملك بصيرة كبيرة جدا لا‮ ‬يملكها كثير من الفنانين المبصرين‮. ‬وأعتقد بأنه فنان‮ ‬يجب أن‮ ‬يكرم بشكل لائق‮. ‬وقد حان الوقت لإقامة متحف للفنون التشكيلية في‮ ‬البحرين‮. ‬للحفاظ بهذا الكم من اللوحات الرائعة تقديراً‮ ‬للمرحوم والجمهور‮. ‬وبفقداننا الفنان ناصر اليوسف فقد الفن البحريني‮ ‬رائداً‮ ‬من رواد الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين‮”.‬
رائد الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين
ويرى الفنان عبد الشهيد خمدن أن الفنان المرحوم ناصر اليوسف‮ ”‬غني‮ ‬عن التعريف ويعتبر من الرواد المؤسسين للحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين،‮ ‬ويتمتع بفكر ورؤية ثقافية فنية،‮ ‬كما أنه‮ ‬يتميز عن الآخرين بنجاحه الكبير وأسلوبه الإبداعي‮ ‬الخاص‮. ‬هو فنان حساس،‮ ‬ورغم الظروف التي‮ ‬عاشها قبل رحيله،‮ ‬ظل‮ ‬يحمل إحساسا وصدقا نجح في‮ ‬تجسيده عبر اللوحة،‮ ‬وترك أثراً‮ ‬طيبا في‮ ‬الساحة الثقافية‮. ‬يتمتع ناصر بأخلاق حميدة إلى جانب مشاركاته الكثيرة‮ ‬،‮ ‬وكثيراً‮ ‬ما تميزت أعماله بالدقة واختياره المناسب للموضوع‮. ‬يظل ناصر ذاكرة الفنان البحريني‮ ‬التي‮ ‬لا تغيب،‮ ‬وقد أحببت أعماله فهو‮ ”‬حيّ‮” ‬لم‮ ‬يمت وقد أوقظ ذاكرتي‮ ‬الفنية للفن التشكيلي‮ ‬في‮ ‬بدء حياتي‮ ‬الفنية،‮ ‬فرحمه الله‮”.‬
يظل رمزاً‮ ‬للتحدي‮ ‬والصمود‮ ‬
ويقول الفنان عباس‮ ‬يوسف إن‮ ”‬الفنان الراحل ناصر اليوسف رمز للتحدي‮ ‬والصمود والتفاني،‮ ‬التحدي‮ ‬لكل ما لاقاه من ظروف قبل المرض وبعده،‮ ‬وصموده في‮ ‬هذا العشق لفنه الذي‮ ‬لم‮ ‬يتخل عنه حتى آخر رمق في‮ ‬حياته،‮ ‬وفي‮ ‬تقديري‮ ‬أن الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين فقدت علماً‮ ‬من أعلامها الكبار على أكثر من صعيد،‮ ‬كونه فنانا مبدعا ومعلما وإنسانا‮. ‬ولا أعرف أن أعبر في‮ ‬هذه العجالة لأن المصاب جلل،‮ ‬ولكنه‮ ‬يبقى فنانا رائدا رحمه الله‮”.‬
اليوسف صاحب مدرسة فنية رائدة‮ ‬
‮ ‬ويعتقد التشكلي‮ ‬هشام زباري‮ ‬أن ناصر اليوسف من الفنانين القليلين الذين اسسوا مدرسة خاصة تحمل بصماتهم الفنية،‮ ‬ويعتبر من الرواد المؤسسين‮ ‬في‮ ‬الحركة التشكيلية،‮ ‬وتربطني‮ ‬به علاقة خاصة جداً،‮ ‬وذلك‮ ‬في‮ ‬عام‮ ‬1979‮ ‬م،‮ ‬فقد فزنا أنا وهو بجائزة السعفة الذهبية وهي‮ ‬الجائزة الأولى،‮ ‬للمعرض الدوري‮ ‬الذي‮ ‬أقيم في‮ ‬قطر وكانت الجائزة التي‮ ‬فزت بها مشاركة مع ناصر اليوسف،‮ ‬وكان لي‮ ‬شرف كبير أن أفوز بمثل هذه جائزة مع الفنان القدير ناصر اليوسف،‮ ‬والفنان اليوسف تحدى إعاقته وقدم أجمل لوحاته كونه ضريراً،‮ ‬وهو صاحب رؤية فنية،‮ ‬والكلمات تعجزعن الحديث عن ناصر اليوسف،‮ ‬لأنه أكبر من ذلك‮.. ‬فهو فنان رائد لحركة تشكيلية عرفها الفنان البحريني،‮ ‬وسوف‮ ‬يترك ناصر اليوسف فراغا في‮ ‬الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين،‮ ‬لا أقول‮: ‬سوى رحمة الله عليه،‮ ‬ونحن بفقده خسرنا فناناً‮ ‬صاحب مدرسة رائدة،‮ ‬وأتمنى أن‮ ‬يلقى التكريم المناسب،‮ ‬لما قدمه للحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين‮.‬
تشهد له إبداعاته‮ ‬
ويقول التشكيلي‮ ‬راشد العريفي‮ ‬إن الفنان ناصر زامله في‮ ‬جمعية البحرين للفن المعاصر،‮ ‬كأخ وكفنان قدم مدرسة تشكيلية رائدة،‮ ‬ويقول‮: ”‬كان من الفنانين المجتهدين الذين‮ ‬يقدمون اللوحة في‮ ‬عمل موروثي‮ ‬يحمل اجتهاداً‮ ‬خاصاً‮ ‬في‮ ‬البحث عن الإبداع،‮ ‬وكان مشاركاً‮ ‬في‮ ‬جميع المعارض التي‮ ‬تقوم بها الجمعية،‮ ‬وقد شاركت مع مجموعة من الفنانين في‮ ‬جماعة فناني‮ ‬الخليج،‮ ‬وضم هذا التجمع عددا من الفنانين الكبار،‮ ‬وعلى رأسهم ناصر اليوسف فهو عضو بارز في‮ ‬جمعية الفن المعاصر،‮ ‬وترأس الجمعية مدة عامين‮. ‬إن ناصر‮ ‬غني‮ ‬عن التعريف ومن رواد الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين وقد عالج الفنان الموضوع التراثي‮ ‬عن الغوص بأسلوب حداثي،‮ ‬وله فضل في‮ ‬إنعاش الحركة التشكيلية،‮ ‬ومعارضه أثبتت إصراره وعزيمته،‮ ‬فتبرز في‮ ‬لوحاته معاصرة قدم عبرها أجمل الأعمال الإبداعية‮. ‬ويعتبر ناصر من الفنانين القلائل في‮ ‬الحفر على الزنك‮. ‬نحن في‮ ‬جمعية الفن المعاصر ننعى هذا الفنان الكبير فهو من المؤسسين رحمة الله عليه،‮ ‬وبرحيله فقدنا فناناً‮ ‬رائداً‮ ‬قل مثيله‮”. ‬
كان مخلصاً‮ ‬للفن والحب والناس‮ ‬
أما الفنان علي‮ ‬المحميد الذي‮ ‬تربطه علاقة حميمة مع الفنان اليوسف عندما كانا مدرسين في‮ ‬السبعينيات فيقول‮: ‬إنه أخ،‮ ‬وصديق‮. ‬ورحيله فاجعة كبيرة‮. ‬منذ فقده البصر،‮ ‬ظل رائداً‮ ‬وفناناً‮ ‬مبدعاً‮ ‬وحاضراً‮ ‬في‮ ‬مرآة الفن التشكيلي،‮ ‬ونحن نرفع العزاء إلى عائلته ومحبيه والفنانين التشكيليين الذين عرفوه وعرفوا إبداعاته‮. ‬ويظل ناصر من الفنانين الصادقين في‮ ‬أعماله طرح المواضيع برؤية معاصرة ذات أبعاد ثقافية رائدة في‮ ‬الحركة التشكيلية وقد ترك بصمات في‮ ‬الحركة التشكيلية تقود أي‮ ‬فنان نحو لوحات الفقيد‮. ‬وقد كان ناصر دائماً‮ ‬صادقاً‮ ‬ومخلصاً‮ ‬للفن والحب والناس،‮ ‬وبفقدنا هذا الفنان فقدنا رائداً‮ ‬من رواد الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين ومعلماً‮ ‬صادقاً‮ ‬وفناناً‮ ‬لم‮ ‬يمل حتى آخر لحظات حياته‮”.‬
علم الكثيرين وأنا أحدهم
‮ ‬ويقول الفنان عبد الجبار الغضبان‮: ”‬فوجئ الجميع برحيل هذا الفنان القدير‮. ‬ناصر اليوسف فنان كبير علم الكثيرين من الفنانين وأنا أحد تلامذته في‮ ‬المرحلة الثانوية فهو خير أستاذ ومربٍ‮. ‬أعتز كثيرا بهذه العلاقة الطويلة التي‮ ‬جمعتني‮ ‬به منذ كنت طالباً،‮ ‬فنحن لا نترحم عليه فقط بل نترحم على أنفسنا لأننا فقدنا رائداً‮ ‬قل مثيله،‮ ‬وهو خير من مثل البحرين في‮ ‬الحركة التشكيلية محلياً‮ ‬وخارجياً،‮ ‬ونشاطه المتواصل شاهد على إبداعاته وإصراره نحو تطوير الحركة التشكيلية في‮ ‬وطننا البحرين،‮ ‬وهو صاحب المتعة والإبداع في‮ ‬مجال الفن،‮ ‬كونه تناول بعض النصوص الشعرية بأسلوب جديد وقد اشتغل في‮ ‬مجال الجرافيك بشكل جميل وإبداعي‮. ‬سيظل اليوسف مرآة لا تغيب في‮ ‬واقع حركتنا التشكيلية في‮ ‬المعاصرة،‮ ‬لأنه بالفعل وضع بصماته،‮ ‬وأسس مدرسة فنية رائدة وبارزة المعالم في‮ ‬أبعادها الفنية‮”.‬
فقدنا لأي‮ ‬فنان خسارة للوطن
الفنانة الدكتورة سهيلة آل صفر تقول‮: ”‬فقدت البحرين برحيل اليوسف فناناً‮ ‬رائداً،‮ ‬وفقد أي‮ ‬فنان‮ ‬يعني‮ ‬للوطن وللفن التشكيلي‮ ‬خسارة‮. ‬واليوسف تحديدا فنان قدم الصورة المثلى للحركة التشكيلية محليا وخارجياً‮ ‬وهو نموذج للإنسان الرائد والمحب لفنه ويعد من معاصري‮ ‬الحركة التشكيلية،‮ ‬كونه من المؤسسين الأوائل،‮ ‬وهوأكثر الفنانين معاناة فرحمة الله عليه‮. ‬جاء اليوسف مع مجموعة من الفنانين الذين أسسوا أولى الخطوات لهذا الفن فهم أوائل ورواد نحترم عطاءهم،‮ ‬وستظل بصماتهم بارزة في‮ ‬الأفق الثقافي‮ ‬التشكيلي،‮ ‬كونهم أحبوا الناس وقدموا أجمل ابدعاتهم وعطائهم خدمة للوطن وإبرازاً‮ ‬للفن‮”. ‬
أحد أعمدة التشكيل في‮ ‬البحرين
‮ ‬ويقول الفنان عبد الرسول الغائب‮: ”‬ناصر اليوسف من الرواد المؤسسين للفن التشكيلي‮ ‬في‮ ‬البحرين،‮ ‬وهو أحد مؤسسي‮ ‬جمعية البحرين للفن المعاصر،‮ ‬وله مشاركات فنية كثيرة أبرزت إبداعاته،‮ ‬وحتى عندما فقد صحته وبصره ظل‮ ‬يواصل بصماته الفنية،‮ ‬ويعد من أجمل الفنانين وصاحب رسالة إنسانية وفنية وثقافية بارزة،‮ ‬وهو صاحب حس إبداعي‮ ‬وليس مقلداً،‮ ‬يخلق جماليات لوحته من خلال حسه الفني،‮ ‬فهو صاحب مدرسة كبيرة،‮ ‬إن جاز لي‮ ‬أن أعدها مدرسة رائدة في‮ ‬الفن التشكيلي‮ ‬في‮ ‬البحرين‮. ‬رحمة الله على ناصر،‮ ‬بفقده فقدنا رائداً‮ ‬نعزي‮ ‬أنفسنا به،‮ ‬لأنه ظل في‮ ‬عطائه وإخلاصه لفنه كبيرا لم‮ ‬يقلل مرضه من عزيمته‮”.‬
اليوسف فنان ملتزم بفنه
ويرى التشكيلي‮ ‬محمد بحرين أن اليوسف‮ ”‬من أكثر الفنانين التزاماً‮ ‬بفنه ويعكس بصدق مشاعره،‮ ‬حتى لحظة أصيب بفقد النظر،‮ ‬وكانت ريشته تبرز تفاعله الواقعي‮ ‬الصادق‮. ‬فنان متميز فقدته الحركة التشكيلية،‮ ‬بل فقدناه لأننا نظل بلوحاته نعكس أبعادنا الأخرى،‮ ‬في‮ ‬حملنا للوحاته التي‮ ‬تعكس أبعادها البعيدة وتعالج مشكلات كثيرة من خلال تجربة عريقة ومخلصة لفنها‮”. ‬فقده خسارة لنا‮.. ‬فرحمة الله عليه‮.. ‬وستظل شواهده الفنية باقية لأنه لم‮ ‬يمت

Al-Watan :: Ali Al-Sitrawi :: 17 June ’06

Categories
مقالات ناصر اليوسف

ورحل فارس الفن التشكيلي‮: ناصر اليوسف‮.. فقد البصر فامتلك البصيرة

كتب محمد أحمد البنكي‮:‬

”‬الناس من دون تراث لا قيمة لهم‮”‬

تحدد هذه الإفادة التي‮ ‬أدلى بها ناصر اليوسف ذات لقاء صحافي‮ ‬سابق المسار الذي‮ ‬يمكن أن تجترحه تجربته التشكيلية وما‮ ‬يتلبث وراءها من مخزون رؤيوي‮. ‬والحق أن ناصر اليوسف قد ظل طوال الوقت مؤمناً‮ ‬بحيوية الفن الإسلامي‮ ‬والفن الشعبي‮ ‬وقد سيَّج كل منهما عالم طفولته‮: ‬نشأةٌ‮ ‬في‮ ‬المحرق حيث خصوصية المعمار الزخرفي‮ ‬الجميل،‮ ‬واشتغال عائلي‮ ‬بتقصيب وتطريز البشوت،‮ ‬حيث‮ ‬يجتمع في‮ ‬منزل الأسرة أمهر الصُنَّاع من الخليج والجزيرة العربية،‮ ‬وشغف باكر التيقظ على بطولات عنترة وهجرات الهلاليين حيث‮ ‬يتشبع الطفل الصغير بقصص التراث ويرددها في‮ ‬المجالس‮.‬
هذا الاستحواذ الذي‮ ‬شَكل المدركات من حول ناصر ظل قوي‮ ‬الإشعاع والفعل في‮ ‬كل مراحل حياته الفنية التالية،‮ ‬ولا‮ ‬يكاد لقاء صحافي‮ ‬معه‮ ‬يخلو من إشارة احتفائية إلى هذه المظاهر التي‮ ‬حفَّت بخبراته الجمالية الأولى‮ (‬ولعل ما‮ ‬يكتسي‮ ‬خصوصية في‮ ‬المغزى ضمن هذا السياق تكرار لفظة الذكريات في‮ ‬أسماء لوحات ناصر اليوسف‮: ‬ذكريات‮ ‬غواص‮ ”‬‭”‬1‮ ‬ذكريات‮ ‬غواص‮ ”‬‭,”‬2‮ ‬ذكريات‮ ‬غواص‮ ”‬‭,”‬3‮ ‬ذكريات طفولية،‮ ‬ذكريات الغواص‮).‬
ورّث هذا كله آثاره البعيدة على تجربة ناصر اليوسف التشكيلية على أكثر من مستوى،‮ ‬فقد ذهبت تقنياته وألوانه في‮ ‬مسارات تتلاءم مع معطيات هذه البيئة،‮ ‬وبرزت في‮ ‬حسه أهمية البناء الفني‮ ‬من خلال مسطح الصورة،‮ ‬وتعاملت تجربته مع الفراغ‮ ‬والحيّز في‮ ‬اللوحة بنحوٍ‮ ‬خاص وشديد المغزى‮. ‬أما موضوعاته فقد عوّلت في‮ ‬غالب الأمر على ذاكرة بصرية طفولية ثرية المخزون،‮ ‬وأما رؤاه فقد بنت عالمها الدلالي‮ ‬من خلال نموذج توليدي‮ ‬ينسجم مع نظام كلاسيكي‮ ‬لرؤية العالم تتخلق عبره الأشكال منبثقة من شكل أولي‮ ‬واحد هو الأصل الذي‮ ‬ترتد إليه قوانين الأشياء،‮ ‬وهو المصدر الذي‮ ‬تتناغم المعاني‮ ‬وتنسجم من حوله‮.‬
طوال الوقت كان ناصر اليوسف واعياً‮ ‬بمصادر بحثه الجمالي،‮ ‬وقد تعززت صور الطفولة البهيجة بما كانت الذاكرة تلتقطه من مشاهد المعمار الإسلامي‮ ‬يوم أن كان ناصر في‮ ‬عداد الفنانين الجوالين‮ ‬يذرع القرى ويجوب المدن مع رفقته الفنية‮: ‬العريض والسني‮ ‬والبوسطة وسوار والعريفي،‮ ‬جولات كهذه أكسبت اليوسف مشاهدات‮ ‬غنية وحباً‮ ‬جارفاً‮ ‬للبيئة وإنسانها البسيط،‮ ‬كما أكسبته قدرةً‮ ‬مباشرة على التعبير،‮ ‬واسترسال لافت ساعة تنفيذ اللوحة،‮ ‬ومهارة مميزة في‮ ‬منح التكوينات والألوان الفورية عفويتها النادرة،‮ ‬وكانت هذه الخواص هي‮ ‬أول الدروس المستفادة من حيوية الإسكتش وتخطيطاته السريعة‮.‬
لقد ظل تدريب ناصر اليوسف الفني‮ ‬الأصيل حصيلة سليقة فطرية مواتية جاءت الخبرات الفنية والقراءات والزيارات الميدانية للمعارض لتضيف إليها فيما بعد،‮ ‬ولكن عين الراصد للوحات اليوسف لا تكاد تخطئ،‮ ‬مع ذلك،‮ ‬تحديد المظاهر الواغلة التي‮ ‬تركتها هذه المعاينات والاستعدادات الأولية في‮ ‬مجمل التجربة،‮ ‬بل إن إدلاءات ناصر اليوسف نفسه حول تجربته باحتفائه الواعي‮ ‬بالأسلوب الذي‮ ‬ينميه والمصادر التي‮ ‬يقبس منها في‮ ‬الرؤية والاختيارات‮.‬
جماليات إسلامية
يمكننا فيما‮ ‬يختص بالإشارة إلى الخلفيات المرجعية التي‮ ‬نهضت عليها تجربة ناصر اليوسف أن نقرر بشيء من الاطمئنان أن قدراً‮ ‬كبيراً‮ ‬من هذه المساحة المرجعية ستستأثر به جماليات الفن الإسلامي‮ ‬بما عرف عنه من تحرر من قواعد الرسم الأكاديمي‮ ‬التي‮ ‬فرضها التطور الفني‮ ‬الأوروبي‮ ‬على صعيد المنظور والظل والنور والنسب والتشريح،‮ ‬ومن خروج على إسار الإيهام بالمكان الواقعي‮ ‬إلى رحاب المطلق والتجريد الزمكاني،‮ ‬ومن اهتمام بالروحانية العميقة الكامنة وراء هذا الوجود بدلاً‮ ‬من الاهتمام بالشكل الآني‮ ‬لعناصر هذا الوجود،‮ ‬وهو ما‮ ‬يفتح على تكثيف ترميزية التجربة وغنى عالمها بالشفرات والدلالات التي‮ ‬تختزل الأشياء رادة إياها إلى ما هو جوهري‮ ‬بنائياً‮ ‬فحسب‮.‬
إن جانباً‮ ‬من الإحالة لا بأس به‮ ‬يومئ إلى دور المؤثر الشعبي‮ ‬في‮ ‬خلفية ناصر اليوسف الجمالية كذلك،‮ ‬والحق أنه من الاعتساف أن نغالي‮ ‬في‮ ‬الفصل بين مظاهر الفن الشعبي‮ ‬ومظاهر الفن الإسلامي،‮ ‬غاية ما‮ ‬يمكن توصيف الفن الأول به هو أنه تنويع،‮ ‬يستفيد من خصوصية الثقافة المحلية في‮ ‬تقديم أنماط فرعية من الفن الإسلامي‮ ‬الأشمل،‮ ‬هكذا فإن طابعاً‮ ‬محلياً‮ ‬من الزخرفة سيتدخل في‮ ‬طبيعة المكونات التي‮ ‬ينتخبها ناصر اليوسف من الفن الإسلامي،‮ ‬وكذا أيضاً‮ ‬ستفعل بعض المعتقدات الشعبية المتعلقة بالحسد وشر العيون ورمزية بعض الحيوانات،‮ ‬إضافة إلى إيماءات توحي‮ ‬بقدر أو آخر من تدخل جماليات بعض الأجناس الأدبية والفنية كالموال وفنون البحر في‮ ‬إمداد لوحات اليوسف بثقافتها المرجعية الرافدة‮.‬
في‮ ‬كل الأحوال سنجد آثار هذه المؤثرات إضافة إلى بعض سمات الفن البدائي‮ ‬وفن الطفل،‮ ‬والقاعدة المشتركة بينهما وبين الفن الإسلامي‮ ‬والفن الشعبي‮ ‬كبيرة نسبياً‮ ‬على ما هناك من تفارقات،‮ ‬صميمية في‮ ‬لوحة ناصر اليوسف‮ (‬وهذا لا‮ ‬يعني،‮ ‬طبعاً،‮ ‬نفي‮ ‬التشقيقات التي‮ ‬يفتحها ناصر اليوسف على مختلف مدارس الفن الأوروبي‮ ‬خصوصاً‮ ‬التكعيبة في‮ ‬الستينيات،‮ ‬والتعبيرية في‮ ‬كل التجربة،‮ ‬والتجريدية منذ منتصف الثمانينيات‮).‬
تكوينات الفنان
التكوين لدى ناصر‮ (‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬لوحات ما قبل الغزو الإسرائيلي‮ ‬للبنان‮-‬1982‮) ‬يقوم على أساس توزيع الكتل بشكل‮ ‬يحتوي‮ ‬الفراغ‮ ‬في‮ ‬اللوحة،‮ ‬وربما وجدنا لذلك جذوراً‮ ‬في‮ ‬البناء المعرفي‮ ‬الإسلامي‮ ‬الذي‮ ‬يجعل ما هو روحي‮ (‬الأثير‮ -‬غير المتعين‮- ‬الفراغ‮) ‬محتوىً‮ ‬فيما هو مادي‮ (‬الكون‮ -‬الجسد‮- ‬الكتلة‮)‬،‮ ‬ستبدو لنا هذه الخصيصة التكوينية لدى ناصر أشد وضوحاً‮ ‬فيما لو جرت المقارنة بتكوينات ضياء العزاوي‮ ‬عربياً‮ ‬على سبيل المثال،‮ ‬أو على صعيد محلي‮ ‬بتكوينات الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة والدور الذي‮ ‬يلعبه الفراغ‮ ‬في‮ ‬إبرازها داخل إطار اللوحة‮.‬
إن دور الفراغ‮ ‬عرضة للتضاؤل على الدوام في‮ ‬لوحات ناصر اليوسف السبعينية،‮ ‬ولو أننا تأملنا لوحة عرس الغواص‮ (‬76‮*‬108‮ ‬سم‮ – ‬زيتية‮ – ‬9691‮)‬،‮ ‬أو لوحة ذكريات‮ ‬غواص‮-‬2‮ (‬14‮*‬10‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬9691‮)‬،‮ ‬أو‮: ‬ذكريات‮ ‬غواص‮-‬3‮ (‬18‮*‬12‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬4791‮)‬،‮ ‬أو الأرض الخضراء‮ (‬122‮*‬76‮ ‬سم‮ – ‬زيتية‮ – ‬7791‮)‬،‮ ‬أو‮: ‬ذكريات طفولية‮ (‬41‮*‬56‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬4791‮)‬،‮ ‬أو‮: ‬يا معيريس‮ (‬51‮*‬61‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬9791‮) ‬فسنجد أن الفراغ‮ ‬مكافَح‮ (‬بفتح الفاء‮) ‬على امتداد اللوحة،‮ ‬والصيغ‮ ‬المعمارية مقتربة من الصيغ‮ ‬الإسلامية والشرقية التي‮ ‬تعمد إلى شغل الحيز من خلال تحقيق بعض التناظرات والتكرارات الهندسية لعناصر زخرفية تشتغل على أساس تأليفي‮ ‬يقوم على استعادة الموتيف وتكرار الثيمة البصرية المستقاة من مفردات الحياة التراثية‮: ‬سلة،‮ ‬صندوق مبيت،‮ ‬دوائر زخرفية،‮ ‬أبواب تقليدية‮.. ‬الخ،‮ ‬وتنفيذ ذلك من ناحية تقنية عبر هيمنة الخطوط الرأسية‮ (‬بما تحيل عليه من أبعاد ميثولوجية تدور مدار السماوية والقوة والحياة الخالدة في‮ ‬التصور الإسلامي‮)‬،‮ ‬وإسقاط البعد الثالث بما‮ ‬يخدم التجريد‮ ”‬الزمكاني‮” ‬وتسطيح المشهد الذي‮ ‬تعرضه اللوحة،‮ ‬وتغييب مقصود لقوانين التشريح في‮ ‬رسوم الأشخاص والحيوانات مع وضع الإنسان في‮ ‬نقطة استقطاب بصري‮ ‬تتحكم في‮ ‬توزيع بقية العناصر التأليفية‮.‬
بدءاً‮ ‬من أوائل الثمانينيات،‮ ‬وربما مع معرض اليوسف المشترك مع إبراهيم بوسعد حول الغزو الإسرائيلي‮ ‬للبنان‮ – ‬‭,‬1982‮ ‬ستتخطى التجربة بعضاً‮ ‬من منطلقاتها السابقة،‮ ‬سيبدأ الفراغ‮ ‬في‮ ‬غزو بعض من مساحات اللوحة،‮ ‬وسيمارس الفنان اليوسف اقتصاداً‮ ‬واختزالاً‮ ‬ملحوظين على تطريز العالم من حول الإنسان الذي‮ ‬سيظل محورياً‮ ‬في‮ ‬لوحات هذه المرحلة أيضاً،‮ ‬ولكن مع قدر من الاغتراب والوحشة،‮ ‬ومع قدر من تحول الكائنات التي‮ ‬تسكن اللوحة من رجال ونساء وحيوانات مألوفة إلى كائنات هلامية ممسوخة وغريبة التكوين،‮ ‬كما في‮ ‬لوحة لبنان‮ ‬يحترق‮ (‬122‮*‬60‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬2891‮)‬،‮ ‬أو في‮ ‬لوحة السقوط‮ (‬58‮*‬74‮ ‬سم اكرليك ومواد أخرى‮ – ‬2891‮)‬،‮ ‬أو لوحة العائلة والقط‮ (‬14‮*‬18‮ ‬سم‮ – ‬أحبار ملونة‮ – ‬3891‮) ‬مثلاً،‮ ‬وقد‮ ‬يتحولون إلى أشلاء أو شظايا تتخايل فيما‮ ‬يشبه الأصابع أو العيون وغيرها من التجسيدات الإنسانية،‮ ‬كما في‮: ‬صبرا وشاتيلا‮ (‬29‮*‬40‮ ‬سم‮ – ‬أحبار ملونة‮ – ‬1891‮) ‬أو النابالم‮ (‬22‮*‬29‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬1891‮) ‬على نحو قد‮ ‬يذكر‮ (‬مع الوعي‮ ‬بمساحة المغايرة‮) ‬بكائنات بيكاسو المعذبة جراء الحروب وويلات الدمار‮. ‬في‮ ‬هذه المرحلة ستشتغل تجربة ناصر بدينامية تفرز عناصر الثبات والتحولات في‮ ‬قوامها الفني،‮ ‬ومع أننا سنعثر على أكثر من شاهد على مستويات تقنية وموضوعاتية ورؤيوية تُبين عن حجم المستجدات التي‮ ‬اغتنت بها التجربة إلا أننا سنلتقط كذلك مجموعة من الملامح التي‮ ‬تؤشر بشدة إلى مسلمات التجربة جمالياً‮ ‬وما لا تستطيع التفريط به‮.‬
مقارنة عابرة بتكوينات الجسد الإنساني‮ ‬عند إبراهيم بوسعد والتكوينات الموازية عند ناصر اليوسف في‮ ‬المعرض المشترك المشار إليه آنفاً،‮ ‬ستسفر عن مظهر من مظاهر الثبات الذي‮ ‬نتحدث عنه،‮ ‬فعلى حين تبدو تكوينات الجسد لدى بوسعد عنيفة،‮ ‬مفسحة للفورة والعنفوان والفتل العضلي‮ ‬كي‮ ‬ترشح من خلال اللوحة،‮ ‬فإن تكوينات اليوسف ظلت محتفظة للجسد بمسالمته نوعاً‮ ‬ما،‮ ‬وبالتعبيرية الرمزية الكامنة في‮ ‬جوانيته أكثر مما هي‮ ‬طافرة من عضلاته وتشريحه الفسيولوجي‮.‬
قالب الأمثولة
هذه المرحلة ستعرف أيضاً‮ ‬ازدهار قالب الأمثولة‮ ‬Allegory‮ ‬على صعيد الرؤية التي‮ ‬تشكل اللوحة،‮ ‬وسيكون في‮ ‬التركيز على الحيوان ما‮ ‬يمثل امتداداً‮ ‬لمراحل سابقة اختص ناصر اليوسف فيها القط والعصفور والديك والحمامة باهتمام تشكيلي‮ ‬خاص،‮ ‬ولكن التجربة ستعرف الآن مجازية أوسع على الصعيد الرمزي،‮ ‬حيث سيتمخض القط للدلالة على النوازع الشريرة التي‮ ‬تتلبس الرجل أحياناً‮ (‬لاحظ مغزى صرف الاهتمام عن إبراز ذكورية القط في‮ ‬لوحة‮ ”‬الانتظار‮” – ‬اكرليك ومواد أخرى‮ – ‬‭,‬1979‮ ‬والتركيز،‮ ‬بالمقابل،‮ ‬على ملامح ذكورة القط في‮ ‬لوحة‮ ”‬السقوط‮ – ‬اكرليك ومواد أخرى‮ – ‬1928‮ ‬مع أن اللوحتين تمثلان تعاقباً‮ ‬متسلسل الحلقات على مستوى حكائي‮ ‬رغم الفارق الزمني‮ ‬في‮ ‬سنوات التنفيذ،‮ ‬كما سيتمخض الديك للدلالة على الحالة السوية للرجل التي‮ ‬تتمازج عبرها نوازع الخير والزهو والقابلية للتطويع حتى مع العنجهية الظاهرة‮ (‬والمرأة في‮ ‬العادة هي‮ ‬التي‮ ‬تمتلك زمام الترويض في‮ ‬عالم اليوسف الفني‮)‬،‮ ‬يمكننا التنويه هنا بالإشارات المبذولة في‮ ‬لوحات مثل‮: ‬الديك المدلل‮ (‬15‮*‬20‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ ‬1985‮)‬،‮ ‬الديك الثائر‮ (‬20‮*‬28‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬1985‮) ‬واللعبة‮ (‬27‮*‬37‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬1985‮).‬
تتخذ الحمامة بدلالتها الرمزية العامة تشابكات دلالية ربما كانت أقرب إلى تمثيل المرأة في‮ ‬هذه المرحلة من تجربة ناصر اليوسف،‮ ‬أما العصفور الذي‮ ‬يحضر بكثافة في‮ ‬لوحات اليوسف‮ (‬وربما لا تستدعي‮ ‬الذاكرة فناناً‮ ‬عربياً‮ ‬وظَّف العصفور بهذه الدرجة من التكرارات في‮ ‬اللوحة،‮ ‬كما‮ ‬يفعل ناصر،‮ ‬سوى اللبناني‮ ‬حسين ماضي‮)‬،‮ ‬فإن استحضاره‮ ‬يتحرك على مساحة من الحقول الدلالية تقترب من الأمل تارة ومن الطفولة المحتاجة إلى الرعاية تارة أخرى،‮ ‬ثم من الحرية طوراً‮ ‬إلى الألفة والأمن طوراً‮ ‬آخر‮. ‬ولنا متعة في‮ ‬تأمل عصافير اليوسف عبر لوحات مثل‮: ‬الله‮ ‬يرعى الثمر‮ (‬51‮*‬61‮ ‬سم‮ – ‬طباعة ورق مفرغ‮ ‬وزيت‮ – ‬1970‮)‬،‮ ‬المرأة‮ (‬51‮*‬61‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬1974‮)‬،‮ ‬ذكريات طفولية‮ (‬41‮*‬56‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬1974‮)‬،‮ ‬الحماية‮ (‬44‮*‬32‮ ‬سم‮ – ‬حفر لاينو وزيت‮ – ‬8791‮)‬،‮ ‬حماية الطائر الأخضر‮ (‬51‮*‬61‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬1979‮)‬،‮ ‬كتابات عربية‮ (‬61‮*‬76‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬1983‮)‬،‮ ‬امرأتان‮ (‬33‮*‬28‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬1985‮)‬،‮ ‬القط والطائر‮ (‬28‮*‬30‮ ‬سم‮ – ‬مائية وأحبار وكولاج‮ – ‬1985،‮ ‬الأمل‮ (‬42‮*‬30‮ ‬سم‮ – ‬حفر على الزنك‮ – ‬1988،‮ ‬دعاء في‮ ‬رمضان‮ (‬61‮*‬76‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬1989‮).‬
وبغض النظر عما‮ ‬يمثله الاستخدام الخاص للحيوان في‮ ‬مستوى البنى الدلالية لتجربة ناصر،‮ ‬مما سنعرض له،‮ ‬إلا أن كثافة اللجوء إلى الحيوان في‮ ‬اللوحة تنسجم مع النظام الكلاسيكي‮ ‬لتصور العالم بما هو عليه من‮ ‬غنى سميولوجي‮ ‬وتشابهات في‮ ‬العلاقات بين الدوال والأشياء وقرابات في‮ ‬النوازع والسلوك،‮ ‬واستهداف للتكامل والانسجام والمحافظة على تناغمات الحياة‮.‬
في‮ ‬دراسة بعنوان‮ ”‬كيف‮ ‬يرى الفنانون الحيوانات‮” ‬يتتبع كينيث كلاري‮ ‬تطور توظيف الحيوان في‮ ‬اللوحة التشكيلية ملاحظاً‮ ‬الحظوظ المتفاوتة التي‮ ‬حظى بها الحيوان كموضوع على امتداد تواريخ الفنون،‮ ‬وهو‮ ‬يشير في‮ ‬المجمل إلى استهلاك هذا الطراز من الموضوعات الفنية في‮ ‬القرون الأخيرة وعزوف الفنانين بدءاً‮ ‬من الانطباعية عن الحيوان كموضوع‮ (‬إذ لم‮ ‬يرسم مانيه ولا مونيه ولا سيزان الحيوانات‮) ‬لكنه‮ ‬يشير بالمقابل إلى تصاعد اهتمام جديد بالحيوان مع المدرسة التعبيرية التي‮ ‬وظفته من منطلق امتلاكه طابعاً‮ ‬مشابهاً‮ ‬للطابع البشري‮ ‬بشكل مرعب،‮ ‬مع علّوه على التعقيد البشري‮ ‬بفعل كونه خاضعاً‮ ‬لهدف واحد متسلط على كيانه‮. ‬ولئن صح أن ناصر اليوسف أقرب في‮ ‬السمات الأسلوبية إلى الاتجاه التعبيري‮ ‬في‮ ‬الفن،‮ ‬وهو ما‮ ‬يصادق عليه ناصر اليوسف شخصياً‮ ‬ذات مقابلة من المقابلات،‮ ‬فإن هذه المقدمات جميعها كفيلة باستخلاص كم تتفارق التوظيفات الفنية للحيوان بين ناصر اليوسف وبين آخرين في‮ ‬الساحة التشكيلية المحلية تذهب لوحاتهم بعيداً‮ ‬في‮ ‬توظيف الحيوان‮ (‬الخيول على الأخص‮) ‬ولكن على أساس‮ ‬يخضع للمحاكاة في‮ ‬الأغلب أمثال هشام زباري‮ ‬وغير واحد من فناني‮ ‬آل بوسطة‮ (‬مع فوارق لافتة عند عبدالكريم البوسطة لا‮ ‬يتسع المجال للإفاضة حولها في‮ ‬هذا المقام‮).‬
ينفذُ‮ ‬ناصر اليوسف إلى هذه الموضوعات والتصاميم عبر معالجات لونية تركِّز على الألوان الحارة وتبرز خشونة السطح وملمس اللوحة وتتقصد إظهار اتجاهات حركة الفرشاة على اللوحة أحياناً‮ ‬مع الاقتصاد في‮ ‬المزج اللوني‮ ‬أو استخدام القليل منه على‮ ”‬الباليت‮” ‬واللجوء إلى إظهار التدرجات خصوصاً‮ ‬في‮ ‬لوحات القوالب الحكائية والأمثولات على نحو‮ ‬يتعاضد مع المغزى الذي‮ ‬تستهدف اللوحة تقريره‮.‬
بنية الدلالة
لا تتركنا عوالم ناصر اليوسف نتهجى الدخول إليها طويلاً،‮ ‬هناك ما‮ ‬ينبثق،‮ ‬على حين‮ ‬غرة،‮ ‬رخواً‮ ‬وطقسياً‮ ‬ولكنه شديد التعليم،‮ ‬ما‮ ‬يعلم عليه هو شيء ما‮ ‬يتعلق بنا،‮ ‬نرانا فيه،‮ ‬حيز متوازي‮ ‬من أحياز الذاكرة في‮ ‬العادة،‮ ‬أو ربما حنين طفولي‮ ‬يحسن اليوسف أن‮ ‬يهبه اندلاعه كلما تقاصينا عن الدمن والمرابع‮.‬
لكم أن تستعرضوا إن شئتم الأمثلة‮: ”‬ذكريات‮ ‬غواص‮”‬،‮ ”‬ذكريات طفولية‮”‬،‮ ”‬أم البخنق‮”‬،‮ ”‬من ليالي‮ ‬ألف ليلة وليلة‮”‬،‮ ”‬حناج عجين‮”‬،‮ ”‬يا معيريس‮!”‬،‮ ”‬عرس الغواص‮”. ‬أسماء ناصر اليوسف للوحاته خروج من ليل المعنى،‮ ‬خروج مما‮ ‬يمسي‮ ‬خافت الرنين‮ (‬ومجبولاً‮ ‬على الاهتزاز مع ذلك‮).‬
لا واحدية أبعاد ها هنا،‮ ‬كل ما‮ ‬ينبض في‮ ‬امتداد‮ ”‬الكنفس‮” ‬هو تعالق من النداءات‮ ‬يقصد كل منا بما لا‮ ‬يقصد الآخر،‮ ‬ليس ثمة نداء ألا وهو أمة من الأمم،‮ ‬تناسل من سلالات الدلالة إلى ما لا نهاية،‮ ‬هكذا‮ ‬يواجهنا مشهد ناصر اليوسف الذهني‮ ‬محتشداً‮ ‬وفائضاً‮ ‬ومغرراً‮ ‬بمن لا‮ ‬يُعد للقراءة البصرية عدتها الشارطة‮.‬
ما إن‮ ‬يتناهى إلينا نداء اليوسف،‮ ‬ونداء تكويناته المضمخة بالينابيع والذكرى،‮ ‬حتى ننفتح،‮ ‬بغتةً،‮ ‬على بنية دلالية متزالقة الشفرات،‮ ‬دال‮ ‬يعوم ودلالة تنزلق كما عبر جاك لاكان ذات إلماح إلى فتنة اللغة‮. ‬ليس هناك في‮ ‬هذا العالم،‮ ‬عالم اليوسف،‮ ‬تخوم نهائية لسلطة التأويل،‮ ‬صحيح أن التوليد الدلالي‮ ‬موئله نموذج ثابت‮ ‬يثوي‮ ‬في‮ ‬نفس الفنان شفيقة الإيمان‮: ‬يتموضع من خلاله الإله في‮ ‬المركز وتدور حوله الأشياء والممارسات والخلائق،‮ ‬ويتكرر النموذج في‮ ‬صورته الأرضية بجعل الإنسان مركزاً‮ ‬وتشكل الكائنات والجمادات في‮ ‬مدارات سلطانه‮ (‬ألم‮ ‬يخلق الله آدم على صورته؟ ألم‮ ‬يستخلفه في‮ ‬أحراش الأرض؟‮)‬،‮ ‬إلا أن هذا النموذج لا‮ ‬يتعدى كونه طرازاً‮ ‬تأسيسياً‮ ‬فحسب،‮ ‬يغتني‮ ‬باستمرار ولا‮ ‬يغلق الدائرة التأويلية،‮ ‬يقترح مديونية معنى ملأى كثيفة،‮ ‬ولكنه‮ ‬يظل متعالياً‮ ‬وغير مخضع لقراءة وحيدة البعد‮.‬
في‮ ‬العالم الذي‮ ‬يشكله اليوسف مناخات دلالية مشبعة بالرموز والشفرات والأمثولات والصور البهيجة،‮ ‬وفيه نستطيع الوقوع على تشابهات واقترانات بين مختلف العناصر والكائنات،‮ ‬فما‮ ‬يريد ناصر تمثيله في‮ ‬اللوحة له دائماً‮ ‬ما‮ ‬يتجاوز وجوده الموضوعي‮ ‬المادي‮ ‬ذاهباً‮ ‬إلى طاقات الأسطورة والسحر والمتخيل،‮ ‬وعن طريق التعويل على ذاكرة بصرية مكتنزة بالعديد من الأشكال والرؤى والتقابلات والحلول تنبثق اللوحة عند اليوسف مسكونة بالحيوانات والمطرزات والأدوات الشعبية والنقوش والكتابات والتعاويذ والاستعاذات‮… ‬والإنسان‮: ‬حراسات ورموز وأجواء ملفوفة بالسحر وعبق النموذج‮. ‬أما ما‮ ‬يقبع في‮ ‬المركز فهو ذلك الجرم الذي‮ ‬انضوى فيه العالم الأكبر‮: ‬كائن‮ ‬يحمل الأمانة ويُلهم الأسماء ويقبض على مقاليد التمكين اسمه‮: ”‬الإنسان‮”.‬
يحضر الإنسان كقاسم مشترك في‮ ‬معظم لوحات ناصر،‮ ‬ولو حاولنا مجرد استعراض أسماء اللوحات التي‮ ‬تسجِّل حضور الإنسان لطال بنا المقام،‮ ‬فمن أول الاسكتشات التسجيلية في‮ ‬بواكير التجربة مروراً‮ ‬بمرحلة التركيز على الغواص والفلاح،‮ ‬وصولاً‮ ‬إلى مرحلة الأشلاء والاختزالات المشيرة إلى محنة الكائن،‮ ‬وامتداداً‮ ‬إلى مرحلة الأمثولة أو الحكاية الرمزية،‮ ‬وانتهاء بالمرحلة الأخيرة‮ (‬بعد فقد البصر‮) ‬التي‮ ‬يتشبث إنسانها بنزوع‮ ‬غامض إلى ممالك الذاكرة والأنس بالزمن الهارب،‮ ‬يبقى الإنسان قطب عالم ناصر اليوسف ومحرك التجربة ورؤاها وأشواقها العليا‮.‬
الحرص على استحضار الشكل الإنساني‮ ‬في‮ ‬تجربة اليوسف‮ ‬يقترن طوال الوقت بإقامة علاقة تحويرية مع قسمات هذا الكائن،‮ ‬أبعاده،‮ ‬فسيولوجيته،‮ ‬خواصه المنظورية،‮ ‬إلا أن هذا التحوير لا‮ ‬يمس الجوهري‮ ‬فيما هو إنساني،‮ ‬يظل هذا الجانب بمنأى عن التلاعب بمغازيه وإحالاته،‮ ‬بل نستطيع أن نقول إن ناصر اليوسف‮ ‬يضفي‮ ‬بعداً‮ ‬تبجيلياً‮ ‬على هذا الجوهر،‮ ‬ينافح في‮ ‬صفه قبالة كل مناوشة أو محاولة للاستخفاف‮. ‬الإنسان قيمة عليا لا تقبل المقايضة أو المزايدة على المواقع عند هذا الفنان‮.‬
سيلفتنا في‮ ‬غواص اليوسف‮ (‬إنسان المرحلة من‮ ‬65‮ ‬إلى‮ ‬69‮ ‬من تجربة الفنان‮) ‬مغالبته ضنك الحياة من حوله،‮ ‬ملامحه ناتئة ويطفر منها العناء،‮ ‬ولكنه‮ ‬يتصيد لحظات الفرح بضراوة‮.. (‬وفلاح المرحلة السبعينية امتداد له‮)‬،‮ ‬ولئن كانت النهارات إكراهاً‮ ‬وإخضاعاً‮ ‬وسخرة فإن العتمة والليل عناصر فانتستيكية درامية،‮ ‬يغرم بتصويرها الفنان،‮ ‬حيث تظل المرأة في‮ ‬لوحة ناصر‮: ‬أليفة ووادعة،‮ ‬ودودة وتعويضية‮ (‬لكنها لا تنزلق إلى لعبة الفتنة والغواية ولا تكاد ترتكب التبرج أو الشهوة،‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نتذكر‮).‬
إن شخوص ناصر اليوسف نمطية ومنمذجة‮: ‬الرجل الذي‮ ‬يغالب الأخطار ويحتاج إلى دفقة وُدّ‮ ‬حين‮ ‬يثوب إلى راحة،‮ ‬والمرأة الأسرارية،‮ ‬السكن والرحمة،‮ ‬المالكة لزمام إدارة اللعبة،‮ ‬والتي‮ ‬تقترف كل الوقائع على شرف اسمها وبوحي‮ ‬الوصول إلى مرقاتها العالية‮. ‬وما التقابلات الثنائية هنا إلا تجلٍّ‮ ‬من تجليات قانون رؤيوي‮ ‬أشمل‮ ‬يصوغ‮ ‬عوالم ناصر اليوسف وتلعب فيه المراوحة بين الثنائيات لعبة تنظيم الرموز بين الحياة والموت،‮ ‬السر والجهر،‮ ‬الأرض والسماء،‮ ‬النور والظلمة،‮ ‬الخير والشر،‮ ‬ما‮ ‬يمثل أبداً‮ ‬هو حركة دورانية لن نسميها عوداً‮ ‬أبدياً‮ (‬فنيتشه سيبدو مقحماً‮ ‬على السياق هنا بينما‮ ‬يقبس ناصر من استعادة تكرارية تتحاكى مع دورة تجديد الدين وسيرورة تاريخ النجاة بحسب ما‮ ‬يقترح منظور ديني‮ ‬وإيماني‮ ‬الصدور‮).‬
تبدأ اللوحة لدى ناصر اليوسف من التراث وتنتهي‮ ‬إلى ربط القيمة الأسمى للإنسان بقدرته الزاخرة على التوليد من هذا التراث،‮ ‬هل نستطيع أن نقول إن في‮ ‬هذه الأصالة الاستثنائية مكمنَ‮ ‬التميز الذي‮ ‬يصدر عنه هذا الفنان

Al-Watan :: Mohammed Ahmed Al-Banki :: 17 June ’06

Categories
مقالات ناصر اليوسف

اليوســـف متحدثــاً عن البدايـــات والصراعـــات والتصنــــيفات الفنـــــية، الفضفضة الأخيرة للفنان الراحل

Nasser Al-Yousif

الوقت – عباس يوسف ،جبار الغضبان:

للفنان الرائد ناصر اليوسف دوره المعروف والمشهود له في نشر الثقافة الفنية والبصرية، وفي تشجيعه للفن ودفع الفنانين واهتمامه الكبير بفن الجرافيك، وتميزه عن أبناء جيله في الاشتغال بهذا الحقل.. هذا المغاير المختلف والذي يعود الفضل إليه في انطلاقة فناني الجرافيك بالبحرين نحو المشاركات الخارجية. إن الناصر مشروع نشاط وإيمان لم يتوقف وهو في وضعه الحالي حيث أزمته الصحية (فقد فيها بصره) التي لم توقفه أو تعقه عن ممارسة خلاصه (الرسم) عبر هذه السطور.. عن اليوم والأمس وغداً قال..

؟ حدثنا عن البدايات.. عن طلعاتكم الفنية مع كريم العريض، راشد سوار، أسامة عبد الصالح، راشد العريفي وكريم البوسطة.

– كلام كثير حول هذه الفترة الجميلة أجد صعوبة في الحديث بسبب المرض فلا تؤاخذني.. كانت البدايات حلوة وجميلة وعفوية كنا مجموعة، أسامة عبد الصالح، راشد سوار – رحمه الله -، كريم العريض، كريم البوسطة وراشد العريفي كنا نتجول في القرى حتى وصلنا إلى آخر البحرين، رسمنا السواحل. كنا كل يوم جمعة نخرج للرسم، كل منا يحمل كراس تخطيطاته ونرسم، نرصد المكان ونسجل الحدث من جانب دراسي لما نرغب في تنفيذه فيما بعد. وهذه الدراسة استغرقت سنين طويلة. وعلى رغم هذا الشغل المتواصل الذي أعتقد أنه كان جاداً إلاّ أنه لم يخرج بتلك النتائج المرضية تماماً، لاسيما الفترات الأولى منه. وعلى رغم ذلك واصلنا العمل بجد وإخلاص، والصادق منّا لم يقل ذات يوم أنه قد صار ووصل. وفي الوقت الحالي بدأت تطلع في الحركة التشكيلية (طحالب)، مثل من يدعي ويزاود على كل شيء، ويتجنى على كل ما قدمناه، كل ذلك باسم الحداثة.

الخلافات كانت شخصية بحتة؟ وماذا عن تأسيس جمعية البحرين للفن المعاصر؟

ـ لقد بدأ الأمر بأسرة فناني البحرين، ثم بعد ذلك حدث الانشقاق. وقتها كنت مع أسرة فناني البحرين وكان آخر معرض أقيم في نهاية العام 1969 بدولة الكويت. وقد قدمت في هذا المعرض عشر لوحات تناولت الغوص. وكنت قد درست الغوص نحو ثلاث سنوات – أعني الحالة والحدث نفسه- فقد التقيت الغواصين والنواخذة والبحارة، وقرأت كثيراً عنهم.

أحببت الغوص وتفاعلت معه بحب، كوني نشأت في حي (غواصة) بمدينة المحرق. كما عشت في حي (الحياك) هناك كان معظم الناس غواصة، نشأت بينهم.. حضرت أعراسهم.. حضرت أفراحهم… حضرت طلعاتهم وذهابهم للغوص.. حضرت الرقصات والحزاوي، وشاهدت ملابس النساء ذات الألوان الزاهية، رحت معهم إلى السفينة نفسها. ومن هذا صار لدي مخزون كبير عن تلك الفترة، وعن الغواصين تحديداً. أما جمعية البحرين للفن المعاصر فكان بها نوع من الصراعات الداخلية، وهي صراعات شخصية بحتة.

وهل ارتقت هذه الصراعات إلى أن تكون في يوم ما فكرية أو ثقافية أو سياسية ؟

ـ لا، أبداً. كانت الخلافات شخصية بحتة. فنظرة كل واحد للآخر كانت نظرة سلبية. مثلاً حين تلتقي بعض الأشخاص إنْ أنجزت لوحة ما بصدق واجتهاد، وبدورهم لا يعدون ما أنجزت عملاً فنياً. فإزاء ما عملت بكل حب وإخلاص وتفان يقال لك، وبكل بساطة أنها تنتمي لذاك الفنان أو أنك اقتبستها من كتاب فني ما. وأقول يا ناس يا عالم أنتم تنقلون من هنا وهناك، وهذا لا يعني أن كل الناس ينقلون أعمالاً أو يعيشون على فتات الآخرين. والغريب أن الخلافات الشخصية لا تزال حاضرة في الوسط التشكيلي. ومن المفترض أنني كفنان بحاجة إلى متابعة إبداع الآخر، وليس من المفترض أن تكون هناك عداوات شخصية تحول بين المبدع ورؤية أعماله أو أنها تعيق ذهاب الآخر والالتقاء به.

محك الريادة القيمة الفنية؟ هل الخلافات إذاً كانت وراء قرارك الابتعاد عن التجمعات الفنية؟

ـ نعم لهذا السبب بالتحديد. فقد كنت رئيساً لجمعية البحرين للفن المعاصر، واعترضتني أمور لا يقدر المرء على تحملها إطلاقاً. لذلك ابتعدت. فالجمعية كانت رهن مجموعة تنتفع منها، ولم أكن مستعداً لقبول ذلك، ولم تكن لدي الرغبة في ذلك أبدا، بل كنت أكرهها ولا أقترب منها. فقد كان يراد تسيير الجمعية بطريقة تختلف عما كنت أبغي. فقد كانت لدي أفكار ورؤى، أحسست بأن شيئاً ما أقوى مني.. من مقاومتي له، نوع من الطعنات التي تقصم الظهر. فقررت بعدها ترك الجمعية لهم ولا شغل لي بذلك، كرامتي أهينت، وانسحبت. وقام كل من راشد العريفي وكريم العرّيض بإقناعي بالعودة والرجوع، فقلت أنتم مَنْ ترتكبون الأخطاء وأنا الذي أتحملها، لماذا؟ وفي ذلك الوقت كان وزير الإعلام السابق طارق المؤيد – رحمه الله – وقتها وراحوا إليه وأخبروه بذلك فسألهم أين رئيسكم ناصر اليوسف؟ أجابوه بأن ناصر اليوسف قد ترك الجمعية فسألهم لماذا؟ أجابوه أنه لم يتجاوب معنا، هذا ما قالوه حرفياً له. بعدها – الله يرحمه – أعلمني بذلك بنفسه عن هذا الكلام، قلت له تركت هذه الجمعية من شأن صون كرامتي فقط وليس لشيء ثانٍ أبداً.

ما مفهوم الريادة في الرسم.. هل المقصود أوّل من مارس الرسم من فنانين، أم أنها تحمل دلالة أعمق من ذلك، كونك أحدُ الرواد؟

ـ أتذكر هنا تلك الحفلة التي أقيمت للرواد ووزعت فيها قطعاً تذكارية صغيرة، واعتقد أنها أقيمت في العام 1980 لتكريم عشرة رواد، وقتها كتبت مقالاً أعتقد في صحيفة (القافلة) قلت فيه إنّ كلمة ريادة لا يمكن إطلاقها على العموم، لأن الريادة تعني أن هذا الإنسان بنى مدرسة فنية جديدة أو قدم شيئاً ذا قيمة فنية، وبغير هذا لا يكون هذا الشخص رائداً. وإلاّ كيف يمكننا قول رائد مثلاً، حول بعض الفنانين الذين كانت بداياتهم ضعيفة وما تزال، فلم نسميهم رواداً، كتبت هذا وشُنّ علي هجوم شرس لا سابق له.

المدارس لا تعنيني والتصنيف معوق؟ هل أحسست أن انتقالك للعمل ضمن مدارس فنية مثل الواقعية والتعبيرية والحروفية كانت عائقاً؟

ـ لقد كانت انطلاقتي منذ الصغر، ومنذ كنت في السابعة، كنت أعيش أجواء البحارة وأجواء البنائين والمزخرفين بمادة الجص، هذه الأجواء هي التي شدتني لعالم الفن، لذلك كأني بالضبط عشت ونشأت في جامعة. من ذلك أقول لقد عشت في هذه الأجواء وكل الجو ما أنتجته في تلك الأعوام له علاقة بالروح. وكل إنسان لديه شيء يمثله ويتمسك به روحياً. وبالنسبة للمدارس الفنية فهي لا تعنيني أبداً، فما أقدمه من إنجاز يمكنك تسميته أو إسناده لأية مدرسة فنية، لكن من جانبي فأنا أرسم شيئاً نابعاً من ذاتي، كل لوحة من اللوحات كانت تخرج من روحي.

؟ مهما كان الفنان صادقا مع ذاته وفنه، إلا أن اللوحة وبمجرد عرضها فهي قابلة للتصنيف، ومع ذلك يطرح البعض أن زمن المدارس الفنية ولى، ما رأيك في هذا القول ؟

ـ أتصور أنه بالفعل قد انتهي. إن الفنان الصادق ينتج من دون أن يضع أمامه نوع المدرسة أو اسمها، وبتصوري هذا الشيء خارج من الروح، ولأن التحديد أو التصنيف أمر معيق. نعم، فبعد الانتهاء من رسم اللوحة، هناك من ينسبها إلى مدرسة ما، لكن هذا ليس من اختصاصي ولا يعنيني بشيء، أنا أنهيت اتصالي باللوحة وكفى. وأعتقد أن أي فنان من المفترض أن ينظر إلى العمل الفني على أنه عمل ذاتي بحت يصدر ويتكون عن طريق معاناة معينة.. جهد معين.. فكر معين.. وقت معين، لأنه إذا أتت الفكرة فهذا لا يعني تنفيذها مباشرة وبكل حذافيرها، لابد أن أتفحصها.. أتحسس منها أيضاً.. أدقق فيها إلى أن أصل إلى قناعة تامة، بعدها أقوم بتنفيذها وهذا أمر يستلزم جهدا ويستلزم تحدياً.

؟ كيف استقبلت فن الجرافيك بتقنياته الحديثة؟ وهل سبقك أحد من الفنانين في هذا المجال ممن عاصرت في البحرين، اشتغالا بالتحديد على معدني الزنك والنحاس أو الليتوغراف؟ بعيدا تماما عن الاشتغال فرضا باللاينو الذي كان منتشرا في المدارس آنذاك؟

ـ إن مشاركتنا في مهرجان أصيلة بالمغرب العام ,1980 هي الانطلاقة الحقيقية، كان هناك مدرسون كباراً من بنجلادش، ومن السودان كان هناك محمد خليل وهو في الواقع من علّمنا وساعدنا حيث لم تكن لدينا فكرة عميقة وشاملة بفن الجرافيك. وربما كانت لدينا فكرة بسيطة عن الحفر على مادة اللاينو والخشب لكن هذه المشاركة أعطتنا كثيراً وقربتنا من فن الجرافيك. وبعد رجوعي إلى البحرين طلبت أدوات الحفر من اليابان لي وللفنان عبدالكريم العريض وإبراهيم بوسعد وكامل بركات، وبدأنا نشتغل وأقمنا أول معرض كان العام 1982 بنادي الخريجين وهو أوّل معرض يقام في هذا الفن بالبحرين. بعدها أنا واصلت الاشتغال بصورة مستمرة لغاية العام 1989 عام فقدي نعمة البصر. وقد سافرت إلى ألمانيا لتلقي العلاج، وبعد رجوعي قررت أن أكون حاضرا كما كنت. وفي أحد المعارض سمعت صديقاً يقول أن ناصر اليوسف قد انتهي، فقلت لا أبداً أنا موجود وسأواصل العمل – إن شاء الله -. وفعلا اشتغلت بالألوان المائية، ولدي أعمال كثيرة من تلك الفترة وبعدها انتقلت إلى الحفر على اللاينو منذ العام 1992 حتى هذه اللحظة.

ألا يحق للغني أن يكون فناناً؟ هل كانت هناك بالفعل حركة نقدية موازية للحركة التشكيلية؟

ـ كانت هناك كتابات شخصية. فمن كتب كان يكتب عن نفسه. وإذا ما كتب عن الآخرين فلا يكتب إلاّ القليل الذي لا يتعدى الأسطر هذا بالنسبة لراشد العريفي وعبد الكريم العريض. ولما جاء أحمد باقر من فرنسا تأملنا منه كثيراً إلا أن ذلك لم يحصل للأسف. وقد كتب ذات مرة في أحد كتبه أن ناصر اليوسف يعمل تاجراً ولا أعرف ما القصد من وراء ذلك؟ وأتساءل ألا يحق للتاجر أو الغني أن يكون فناناً ومبدعاً؟ وهل الفن مرتبط بفئة وجماعة معينة من الناس أو بغني وفقير؟ أما الحديث عن فعل نقد فني صحيح فلا صار ولم يوجد، فكيف تقوم حركة نقدية وأصحابها بعيدون عنها ؟ القصد من ذلك عدم تصدي الفنانين أنفسهم لمثل هذا الفعل.

؟ هل تشعر بفروق بين وضعك السابق واعتمادك الحالي على الذاكرة والبصيرة .

– بالطبع، الفروقات موجودة، عندما كنت بصحة وعافية كنت أرى اللون أمامي مباشرة، حتى الأفكار التي كنت أطرحها كانت ذات وضع مختلف وخصوصاً في مرحلة التنفيذ حيث كانت كل الخيارات متاحة والفضاءات مفتوحة، أما الآن فأنا أعيش فترة تحد مع النفس لأن قبل ذلك كانت الأمور سهلة وكل شيء متاح، الآن الوضع تغير وتبدل وصار صعباً.

؟ والآن كيف تنفذ عملك منذ الخطوة الأولي؟

– بداية أتصور الفكرة كما أراها واضحة أمامي، بعد ذلك أفكر في أسلوب التنفيذ والطرح ثم أستعين بأوراق وأقوم بقص كل عنصر من عناصر العمل منفرداً بكل مميزاته ثم أضعه على قطعة اللاينو بالمقاس المطلوب وأحفر حول هذا الشكل بعدها أحفر الشخصيات المرسومة إلى أن تنتهي اللوحة بعد ذلك أقوم بتوزيع الألوان عليها والحفر ثم أطبعها.

؟ من في هذه الفترة يقف معك.. يساعدك وبهذه القوة؟

– أم محمود، زوجتي هي من يقف معي، هي من يقص الورق، وهي من يجهز الألوان، أسألها بأن تخلط الألوان التي أريد، إذن تبقى أم محمود هي السند والعضيد ليس فقط في هذه الفترة العصيبة إنما في كل الفترات هي من تحملني وتحمل حقيقة كوني فناناً .. غيابي في المرسم.. سفري.. الخ.

Al-Waqt :: 17 June ’06