Categories
مقالات ناصر اليوسف

اليوسف… المنتصر على البصر بنور التشكيل

عبدالله يوسف*
ناصر اليوسف

.. الفنان التشكيلي الذي حين كُفّ بصره تحدى الظلام بمزيد من نور التشكيل، وذلك في حدّ حدوثه دلالة باهرة لملكة إبداعية تحدت خذلان أهم حاسة تسعفها على الإطلاق لرؤية أشياء الحياة كي تحيلها لوحات تشكيلية نابضة بالتعبير وبالزخم وبالجمال والقوة… وهو هنا يتماهى مع حال أخرى فريدة تمثلت في الموسيقار العبقري فان بيتهوفن، الذي أبدع أروع موسيقاه حين غادرته حاسة السمع إلى الأبد.

كان السمع والبصر ملء ناصر اليوسف، وكان هو تشكيلياً مختلفاً عن سرب التشكيليين في بلاغة الفكرة وتقنية التعبير وخامات الفن ودلالات التعبير… ولأنه كذلك فقد فرض تحديه على ظلام دامس ونازله في عقر عينه، فناوش سطوته وشاغب هيمنته واخترق سواده واستثمر لونه في إنجاز كمّ هائل من الأعمال التشكيلية التي ­ في ظني ­ أنها بمثابة سيرة حياة أو مذكرات حياة الفنان المرحوم ناصر اليوسف… كأنه كان يريد أن يوصل لنا نحن التشكيليين زملاءه، أن السواد السرمدي في مقلة العين ­ هو في واقع التجربة الحية المريرة ­ لون أخاذ طالما تهربنا من وضعه على حوامل ألواننا بحيث ان عبوته تظل غالباً متخمة به عن آخرها، ويظل هو في علبة الألوان سميناً بين عبوات عجاف عصرنا ألوانها عن آخرها في لوحاتنا… إنه الدرس الأبلغ والأهم بالنسبة إليّ في مفاهيمي المتعددة لمعاني الفنون التشكيلية في الرسم والتصوير.

لقد دأبنا نحن الذين أحببناه دوماً على مناداته بأستاذ ناصر، ليس فقط لأنه يفوقنا سناً وتجربة فن وحياة، بل لأنه يبزُنا دوماً في صوغ الأفكار والدلالات الفنية والتعبيرية… وقد علا في أستاذيته الإنسانية والتشكيلية حين استفرد السواد بناظريه فكفهما عن بقية الألوان ليستأثر بريشته المبدعة.

أراه في لوحته الآسرة الخالدة (الانتظار) حيث القط متربصاً بعصفور يقطن مرغماً قفصاً… الاثنان أسيران عند الوقت والترقب وعند اللحظة الوشيكة أو البعيدة، أو التي ستأتي أو لا تأتي… تلك اللوحة هي ناصر اليوسف ونحن معه… رسمها ربما فيما توحي به من دلالة، وفق تنبؤ مستقبلي قادم في الزمن… هل هي خيانة البصر للعين؟ أم هي الإعياء العضال حين يستبد بالجسد بعد يأسه من تفتيت صلابة النفسية المفعمة بطاقة التشكيل وعنفوانها؟… أم هي الزمن حين يقتص ممن لا يأبهون بجوره؟، أم هي العقاب المنذور لنا كوننا أدمنا الفنون والثقافة؟

ناصر اليوسف… يكفيه شرفاً ونُبلاً، ويكفينا فخراً به أنه ببصيرة بليغة دون بصر، قد ناكف هذا الزمن الموحش الأغبر، واسترسل في الصوغ التشكيلي، ربما ليقول لنا جميعاً: انتبهوا أيها المحبون… مازلت أرسم، ومازالت «الغِبِّه» تستفرد بي، ومازلت أتجرع «الشِيصْ»،

* فنان بحريني متعدد المواهب

Al-Wasat :: Abdulla Yousif :: 22 June ’06

Categories
مقالات ناصر اليوسف

كان رقيقاً وشديد التأثر بالأشياء

عبدالكريم العريض*
تعرفت على ناصر اليوسف لأول مرة في المدرسة الغربية الابتدائية إذ كانت أول تجربة لي في التدريس.

في تلك الفترة في العام 1954 طلب مني القيام بتأسيس لجنة للفنون الجميلة في المدرسة فاخترت مجموعة الأعضاء من التلاميذ الذين يتميزون بملكة الفن التشكيلي وكان منهم إلى جانب اليوسف راشد سوار ونجيب أصغر مع عدد من التلاميذ إذ كونت منهم أول جمعية للفن في المدرسة. ومنذ تلك الفترة وأنا أشعر أن ناصر كانت عنده ميول خصوصا في التشكيل إذ كان يحاول أن يكون استقلالية في الرسم عن طريق اختيار الموضوعات. ومرت الأيام وذهب ناصر إلى المدرسة الثانوية وبدأنا بتأسيس الجمعيات التشكيلية فأسسنا ندوة الفن والأدب ومن ثم أسرة هواة الفن وكان ناصر مشاركا في أسرة هواة الفن إذ أخذ يمارس الفن التشكيلي في الجمعية وكنت المسئول عن الفن في هذه الجمعية. إذ أسست أول مرسم في المنامة 1961 وكان من أعضائه ناصر اليوسف، عبدالكريم البوسطة، راشد العريفي وراشد سوار. وشهدت هذه الفترة تأسيس مجموعة من الفنانين لجماعة فناني البحرين اذ كان عددهم ثمانية فنانين اذ وضعنا لنا برنامج فكنا نذهب إلى القرى والمناطق البعيدة ونرسم المناظر الطبيعية في البحرين. وأقمنا بتلك الأعمال معارض في «برتش كونسل» في الستينات ونادي بابكو.

في العام 1968 اقترحت شركة كرازن للسجائر اقامة معرض لفناني الشرق الأوسط وكان معرضا عالميا متنقلا يقام في البحرين ومن ثم إلى القاهرة ومن ثم إلى بيروت وباريس ولندن وكانت البحرين مشاركة في هذا المعرض وكان ناصر قد عرض عدة لوحات في المعرض وكانت لوحات غريبة بدأ فيها خط ناصر بالتميز خلال اختياره مساحة اللوحة إذ كان طول اللوحة يفوق عرضها بثمانية أضعاف وكان العمل شارعاً طويلاً وهو شارع الشيخ عبدالله وكان الرسم بالزيت باستخدام السكين وكانت من الأعمال التي بيعت في المعرض ومن الأعمال التي حظيت بالاشادة.

أيام السبعينات كنت أخرج مع ناصر عصر كل يوم لنرسم موضوعات كثيرة بالقلم الرصاص. وكنت أعمل في تلك الفترة بطاقات معايدة بالحبر الصيني اذ كنت أرسم مناظر طبيعية فصادفت رواجا كبيرا عند الأجانب فقام ناصر بعمل تلك البطاقات أيضا اذ كانت ذات تأثير على بقية الفنانين الذين اتخذوا المنحى نفسه فأصبحت تلك البطاقات مما يتميز بها التشكيليون في البحرين.

وعندما أنشأنا جمعية الفن المعاصر كان ناصر أحد الأعضاء الأوائل وساهم مساهمة جيدة في الجمعية وفي العام 1979 عندما أقيمت الانتخابات في الجمعية انتخب رئيسا للجمعية. وفي العام 1981 بدأنا نقيم معارض خارج البحرين وكان ناصر من الأعضاء المشاركين في تلك المعارض. وفي هذه الفترة سافر ناصراليوسف إلى مصر وتعرف على الكثير من الفنانين ومنهم الفنان السجيني الذي كان شديد التأثير عليه اذ أخذ منه ناصر الاسلوب الشعبي أو فن البحارة إذ يأتي بقصة معينة وينطلق منها في بعض أعمال تشكيلية ولو رجعنا إلى مقال كتبه في السجل الفني لجمعية الفن المعاصر لوجدنا فيه اضاءة على تجربته تلك. اذ كانت في تلك الفترة باكورة أعماله في الاسلوب الذي تميز به وعندما سافرنا إلى المغرب إلى موسم أصيلة تعرفنا هناك على فنانين يعملون في الجرافيك وفي العام 1982 أقمنا معرضا خاصا في العام 1982 في نادي الخريجين مع أربعة فنانين إذ عرض ناصر أعمالاً بالحفر على الجرافيك بدأ منها التميز في هذا اللون.

حتى العام 1984 كان ناصر يعمل بجد من دون ان يشكو من عينيه ولكن في العام 1984 وما بعدها بدأ يشكو من عينيه حين بدأ نظره بالضعف تدريجيا حتى فقد بصره بعد معاناة مع المرض واجراء العمليات. وكان ناصر رقيقا الشعور وكان انطباعيا شديد التأثر بالأشياء وكل ما وصل اليه كان بسبب تقبله التعلم وكانت هذه ملكة لمحتها فيه منذ أن كان تلميذا واستمرت فيه تلك الملكة إذ تعلم الكثير من رحلاته إلى العراق ومسقط والسعودية ولندن وكان دائبا على تقبل المعرفة وتطبيقها على أعماله.

من رواد الحركة التشكيلية البحرينية

Al-Wasat :: 22 June ’06

Categories
مقالات ناصر اليوسف

وجهة نظر – اليوسف و أكبري

فقدت البحرين رائدين من اهم روادها في الفن والعمارة خلال هذا الاسبوع هما الفنان التشكيلي ناصر اليوسف احد مؤسسي الحركة التشكيلية محلياً وخليجياً وصاحب الذوق الرفيع في العمارة للمؤسسات العامة والفيلل الخاصة في البحرين المهندس المعماري محمود اكبري.

المنية هي الصدفة التي جمعت اليوسف واكبري فكلاهما تمتع بحس فني راق شاركا به الجميع وامتعا اهل البحرين بما انتجاه سواء في الفن أو العمارة.
وهو الامر الذي دفعني الى كتابة هذه الاسطر دون شيء آخر اضافة الى أن اليوسف وأكبري تربطهما علاقة عائلية قديمة مع والديّ اللذين تأثرا كثيراً لنبأ وفاتهما وهما في اجازة خارج البلاد.

أذكر كيف كان اليوسف يشجعني على مزاولة الرسم وتحديدا الفن المائي وكيف كان والدي في اواخر الثمانينات قبل ان يفقد اليوسف نظره ويصاب بالعمى يصطحبني الى مكتبه الكائن عند شارع كنيسة القلب المقدس اذ كان اليوسف يستوقفني في كل صغيرة وكبيرة من اعمالي التي كنت آنذاك انجزها بشغف وبسرعة كبيرة لطالما اشتقت لذلك.

هذه الشخصية كان لها الفضل في دعمي وتشجيعي في مشاركة معارض ومسابقات فنية داخل البحرين لفترة ليست بقصيرة وبسببه تطورت هوايتي مع ان الصحافة ومشاغل الحياة الهتني عنها… على رغم انني مازالت أتذكر كلماته التي تطرق اذني بعدم ترك الرسم واهمال هذا الحس المكنون بداخلي.
اما اكبري فقد كان ينجز تصاميمه في بناء فيلل بحس فنان يعشق العمارة الاندلسية واهل اسبانيا التي ظل مغرماً بها حتى يوم وافته في ديار الاسبان…قد لا يعلم الكثير من ابناء جيلي ما قدمه هذا الانسان المبدع للبحرين فهو أول من صمم الفيلل والبيوت عندما افتتح اول شارع باسم الشيخ سلمان الممتد الى حديقة السلمانية بينما صمم عدداً من مباني المؤسسات الحكومية اضافة الى مدرسة القضيبية النموذجية للبنات التي مازال مبناها موجوداً مقابل مجمع الهادي التجاري وغيره من الفيلل التي صممها في مناطق سكنية مختلفة مثل القفول والزنج والعدلية والبديع.

مهما كتبت عن اكبري الذي كان يعد بمثابة الخال العزيز لوالدي مورثاً حبه للعمارة لابنتيه خلود وعبير فلن أوفي حقه… فرحم الله اليوسف واكبري واسكنهما فسيح جناته.

Al-Wasat :: Reem Khalifa :: 20 June ’06

Categories
مقالات ناصر اليوسف

ناصر اليوسف‮.. ‬تجلي‮ ‬البصيرة

كتب ‬فريد رمضان‮:‬

حين فقد بصره قبل أكثر من عشر سنوات،‮ ‬لم تسقط الفرشاة من‮ ‬يد هذا الفنان الذي‮ ‬عاصر تاريخ الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين مع إرهاصاتها الأولى،‮ ‬وانفجارها الخاص مع رواد الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين الذين ساهموا في‮ ‬تشكيل فن تشكيلي‮ ‬تجاوز الممكن إلى المستحيل‮. ‬وتعد تجربة الفنان ناصر اليوسف أكبر تحد للفنان التشكيلي‮ ‬البحريني‮ ‬حين دخلت تجربة مرحلة المستحيل وبدأ‮ ‬يرسم،‮ ‬ويحفر،‮ ‬وفي‮ ‬الحفر‮ (‬الغرافيك‮) ‬إبداع‮ ‬يتطلب تحد من نوع خاص،‮ ‬خاضه الفنان ناصر اليوسف بجرأة المبصر والمدرك تماما لتجربته وهو ما دلت عليه الأعمال التي‮ ‬نفذهااليوسف من خلال الحفر أو ما‮ ‬يعرف‮ (‬باللاينوكات‮)‬،‮ ‬ونجح فيه بشكل لافت بل ومثير للدهشة ويستحق الدرس‮. ‬نعم إن هذه التجارب الفنية التي‮ ‬خاض‮ ‬غمارها هذا الفنان تتطلب وعياً‮ ‬مهماً‮ ‬لقراءتها،‮ ‬وهو الفنان الذي‮ ‬يعد من مؤسسي‮ ‬الحركة التشكيلية البحرينية،‮ ‬ومن ثم تجربة الازدهار التشكيلي‮ ‬عند اليوسف،‮ ‬والأهم مرحلة فقد البصيرة،‮ ‬واشتغاله على الحفر،‮ ‬واعتماده على مدى تنبيه حاسة اللمس،‮ ‬والحفر في‮ ‬قيمته الإبداعية تنهض قيمة التحسيس التي‮ ‬تحول ملمس الأصابع إلى اللوحة في‮ ‬تطور إنتاجها على هذه الحاسة بدرجة عالية،‮ ‬ولعل معرضه التشكيلي‮ ‬الذي‮ ‬أقامه هذا الفنان العام الماضي‮ ‬في‮ ‬سبتمبر‮ ‬2005‮ ‬في‮ ‬صالة دار البارح تحت عنوان‮ ”‬تجلي‮ ‬البصيرة‮” ‬وهو المعرض الذي‮ ‬لم‮ ‬يستطع حضور افتتاحه بسبب المرض،‮ ‬وهو التحدى الواضح الذي‮ ‬يوحي‮ ‬به عنوان المعرض،‮ ‬في‮ ‬التجلي‮ ‬حيث‮ ”‬علاه أو الشيء نظر إليه مشرفاً‮” ‬وهو هنا‮ ‬يقول لنا إنه علّى البصيرة وتجلّى بها،‮ ‬وضع من خلال عدم البصيرة بصيرة أخرى أكثر تجلياً،‮ ‬وأبلغ‮ ‬رؤية‮.‬

في‮ ‬هذا المعرض قدم الفنان الراحل ناصر اليوسف رسالة تستبطن رحلته مع الفن التشكيلي،‮ ‬قائلا ببلاغة المبصر،‮ ‬إن الفنان التشكيلي‮ ‬لا‮ ‬يحتاج لعينيه ما دام قلبه‮ ‬ينبض بالنور،‮ ‬وقلبه‮ ‬يكتشف العالم بتحد،‮ ‬وهو‮ ‬يمسك ادوات الحفر ويتحسس اعماله عبر بلاغة متواترة،‮ ‬حين عرض وقتها أكثر من أربعين لوحة تعبر جميعها،‮ ‬بل ان اعمال اليوسف في‮ ‬مجملها منذ الرسم بالزيت والحفر،‮ ‬لم‮ ‬يغادر التراث البحريني‮ ‬الشعبي،‮ ‬يغوص في‮ ‬عمق تفاصيله وتجلياته الجميلة مثل الرقصات والألعاب الشعبية التي‮ ‬طواها النسيان‮. ‬يرسم ويحفر في‮ ‬ذاكرة المكان حيث الأحياء القديمة والطرقات الضيقة،‮ ‬وعلاقة الإنسان البحريني‮ ‬بهذا المكان وتجسيده للعلاقات الاجتماعية‮.‬

‮ ‬هذه الأعمال التي‮ ‬عكف الفنان ناصر اليوسف بعد فقدانه النظر على العمل بها وتقديمها في‮ ‬معارض عديدة جماعية وفردية أكدت على مواهبة لا‮ ‬يمكن تجاوزها عند الحديث عن تاريخ الريادة التشكيلية في‮ ‬البحرين،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬جعل كل من‮ ‬يعمل في‮ ‬المجال التشكيلي‮ ‬أو‮ ‬يتواصل معه من التوقف أمام تجربة اليوسف سوى في‮ ‬انطلاقتها المبكرة مع الفنانين الآخرين،‮ ‬أو في‮ ‬التزامه المتواصل في‮ ‬مسك الريشة وادوات الحفر،‮ ‬وخلط الألوان،‮ ‬وفي‮ ‬تمازجات اللون الأبيض والأسود وتدرجاتها في‮ ‬نتائج الحفر،‮ ‬حيث كان‮ ‬يعتمد في‮ ‬تنفيذ أعماله على الورق والحفر حيث‮ ‬يقوم في‮ ‬بداية الأمر بقطع الشكل المطلوب من الورق بواسطة المقص ومن ثم‮ ‬يضع هذا الشكل على قطع خشبية ويبدأ حفرها للوصول للشكل المطلوب بواسطة اللمس حتى‮ ‬يصل إلى طباعة الشكل المحفور على الورق فتظهر في‮ ‬الأخير لوحة تشكيلية واضحة‮.‬

البدايات ونواة التأسيس التشكيلي‮ ‬في‮ ‬الشعر والحفر

‬لقد مثلت تجربة الفنان ناصر اليوسف مع مجايليه تجربة الريادة التشكيلية في‮ ‬البحرين رغم تأكيده أنه استفاد من تجارب بعض الفنانين من أمثال سلمان الصباغ‮ ‬والفنان عبدالكريم العريض التي‮ ‬كما‮ ‬يقول‮ (‬كنت أقف مبهورا أمامها وأتمنى ان ارسم مثلها‮)‬،‮ ‬كما‮ ‬يؤكد هذا الفنان بتواضع سمح كيف استفاد من فنان مثل أحمد السني‮ (‬لما قدمه لنا من مساعدات مكنتنا من تلمس طريقنا في‮ ‬الأداء الفني‮)‬،‮ ‬وكذلك دور الفنان عزيز زباري‮ ‬الذي‮ ‬استفاد من تجربة‮.‬

إذن من هنا،‮ ‬من تلاقي‮ ‬التجارب وتلاقحها تمثلت مجموعة الرواد النواة التي‮ ‬بدأت تجتمع في‮ ‬أيام الجمعة في‮ ‬احدى القرى القريبة من المنامة ليرسموا معالمها مثلما‮ ‬يذكر عبدالكريم العريض،‮ ‬ثم تحولوا إلى العناصر المحلية،‮ ‬بعضها كان‮ ‬يثير اهتمام الجالية الأوروبية فيقتنوها كنوع من التذكار السياحي،‮ ‬وقد تقاطرت معارض هذه الفترة في‮ ”‬نادي‮ ‬بابكو‮” ‬مثلما‮ ‬يؤكد عبدالكريم العريض،‮ ‬ذاكرة الحركة التشكيلية البحرينية،‮ ‬تراجعت مع الأيام اللوحة الفلكلورية التسويقية أمام اللوحة التي‮ ‬تستمد خصائصها الروحية من البيئة الحضرية والجغرافية بشكل عفوي،‮ ‬ولقد كانت تجربة الفنان ناصر اليوسف في‮ ‬بداياتها تعبر بشكل مباشر عن البيئة،‮ ‬وقد عبرت رؤيته المتواضعة في‮ ‬ذلك الوقت عن أنطلاق شفيف في‮ ‬تجسيد البيئة الشعبية بشكل انطباعي‮ ‬نجح في‮ ‬فترات لاحقة من عمره من تجريد هذه البيئة ورسمها بالحفر ببلاغة فنية نجح فيها بقدر كبير‮. ‬ولقد كانت تجربته في‮ ‬التجريد في‮ ‬ديوان علي‮ ‬عبدالله خليفة‮ (‬عطش النخيل‮) ‬حين رسم الشعر بالريشة،‮ ‬وكانت أول تجربة‮ ‬يتقاطع فيها الشعر بالتشكيل‮.‬

‮ ‬ولقد كان الفنان ناصر اليوسف من أول من زار مهرجان أصيلة مع مجموعة من الفنانين البحرينين من أمثال الفنان عبدالكريم البوسطة والفنان إبراهيم بوسعد،‮ ‬ومن هناك تفتح إداركهم على فن الحفر وتعلموا فن الطباعة على الزنك والنحاس بالاضافة إلى فن‮ (‬اللاينوكات‮)‬،‮ ‬فاضاف إلى خبراته في‮ ‬الرسم المائي‮ ‬والزيت فن جديد سوف‮ ‬يشكل علامة فارقة في‮ ‬حياته،‮ ‬فتحمس لهذا الفن وقام شخصيا باحضار أدوات الحفر وشكل مع أول مجموعة أول معرض للحفر‮. ‬جامعا بذلك حسيات عالية التقطها من تفجير الصور الشعرية في‮ ‬تجربته‮ (‬عطش النخيل‮) ‬أو من أحساسه العالي‮ ‬بالموسيقى في‮ ‬تجسيد الرقصات الشعبية والشعور بالترتيب الصوتي‮ ‬والإيقاعي‮ ‬للموسيقى في‮ ‬اللوحة‮.‬

‬لا‮ ‬يمكن لنا في‮ ‬هذه العجالة تقديم قراءة تنصف تجربة هذا الفنان العبقري،‮ ‬والذي‮ ‬نعتقد ان تجربة مثل تجربته تحتاج لتفكيك وقراءة متأنية لزخمها الفني‮ ‬والإبداعي‮ ‬من جهة،‮ ‬ولارتباطها العميق بالبيئة المحلية والشعبية من فنون الغناء والرقص من جهة أخرى‮.‬

[TABLE=2]
الوطن البحرينية – فريد رمضان – ١٧ يونيو ٢٠٠٦

Categories
مقالات ناصر اليوسف

حين رسمت مواويل علي‮ ‬عبد الله خليفة في‮ ‬عطش النخي

بقلم‮: ‬ناصر اليوسف‭*

في‮ ‬المحرق ولدت العام‮ ‬‭,‬1940‮ ‬وعندما أذكر المحرق تتداعى إلى ذاكرتي‮ ‬نبضات من الذكريات‮.. ‬أتذكر بيت البقشى الذي‮ ‬ولدت فيه بحوشه الواسع ودهليزه الطويل والباب الكبير‮ (‬أبوخوخه‮) ‬وحجرة على اليسار من الداخل‮ ‬يوجد فيها صندوق كبير تبرق مساميره المذهبة وهو موضوع على أربع أسطوانات خشبية محزوزة في‮ ‬الوسط‮. ‬وأتذكر أن تلك الأسطوانات كانت ملونة بخطوط عريضة،‮ ‬الأصفر والأخضر في‮ ‬الوسط ثم الأصفر والأحمر مرة أخرى‮.. ‬وإلى جانب ذلك الصندوق سلة كبيرة من الخيزران المجدول‮ ‬يتكرر فيه الخوص الملون بالأحمر والأخضر‮.. ‬هي‮ ‬ذكريات بعيدة‮.. ‬كل ما بقي‮ ‬منها في‮ ‬ذاكرتي‮ ‬الألوان والزخارف‮.. ‬وأتذكر عندما انتقلنا إلى المنامة‮.. ‬كنت في‮ ‬الثامنة من عمري‮.. ‬أتذكر البيت الذي‮ ‬سكناه في‮ ‬المنامة‮.. ‬أتذكر منه الدهليز والجليب وحجرة السعف‮ (‬حجرة كان‮ ‬يجمع فيها السعف لاستعماله لإيقاد النار للطبخ‮).. ‬أتذكر الحمام‮.. ‬ذلك الطائر الذي‮ ‬كنت ولا أزال أحبه‮.. ‬كنت قد أهديت زوجا منه فتكاثر‮.. ‬وأتذكر صغاره‮.. ‬ولقد رسمت الحمام كثيرا‮.. ‬كنت أرسمه في‮ ‬الكتب الدراسية وفي‮ ‬دفاتر الرسم وعلى سبورة الصف وعلى جدران بيوت الحي‮ ‬بالفحم‮.‬
تلك ذكريات أصبحت بعيدة الآن بعد أن توالت عليها السنون ولكن مازال بعضها‮ ‬يستعصي‮ ‬على النسيان‮.. ‬منها ذكريات الانبهار تتصدر القاعة لوحة المسرح للأستاذ سلمان الصباغ‮ ‬ولوحة الموناليزا للأستاذ كريم العريض وغيرها من لوحات لا أتذكرها‮.. ‬كنت أقف مبهوراً‮ ‬أمامها وأتمنى أن أرسم مثلها‮.‬
وقد كان للأستاذ كريم العريض فضل لا‮ ‬يمكن أن أنساه فقد اختارني‮ ‬في‮ ‬جمعية الرسم بالمدرسة وكنت في‮ ‬الصف الرابع الابتدائي‮ ‬وكان‮ ‬يحثنا دائما على العمل والإنتاج،‮ ‬ويعلق ما ننتجه في‮ ‬الصف وقاعة المدرسة مما كان له أثر كبير في‮ ‬إذكاء رغبتنا وتنمية هوايتنا للرسم‮.‬
وفي‮ ‬المدرسة الثانوية كان هناك أستاذ آخر كان له فضل كبير علينا هو الأستاذ أحمد السني‮ ‬الذي‮ ‬نحتفظ له بأجل التقدير لما قدمه لنا من مساعدات مكنتنا من تلمس طريقنا في‮ ‬الأداء الفني‮.‬
ولقد كنت أشارك في‮ ‬جميع المعارض المدرسية في‮ ‬المدرسة الابتدائية والثانوية‮. ‬ولكن أول معرض‮ ‬غير مدرسي‮ ‬شاركت فيه كان العام‮ ‬‭,‬1957‮ ‬في‮ ‬المعرض الزراعي‮ ‬الذي‮ ‬أقيم في‮ ‬حديقة الأندلس وكانت مشاركتي‮ ‬فيه بلوحة‮ ”‬سهرة شتوية‮” ‬تمثل عائلة حول المنقلة التي‮ ‬يتوهج فيها الجمر وحوله‮ ‬غوري‮ ‬الشاي‮ ‬ودلة القهوة‮.‬
وبعد أن تخرجت من قسم المعلمين عينت مدرساً‮ ‬في‮ ‬مدرسة السلمانية الابتدائية وكان‮ ‬يدرس فيها أيضا الفنان القدير عزيز زباري،‮ ‬وقد استفدت منه كثيراً،‮ ‬وهو بدوره لم‮ ‬يكن‮ ‬يبخل علي‮ ‬بأي‮ ‬معلومات فنية‮.. ‬ثم انضممت إلى أسرة هواة الفن‮.. ‬وبدأت المسيرة الحقيقية في‮ ‬حياتي‮ ‬الفنية‮.. ‬كانت لقاءاتنا‮ ‬يومية تقريباً‮ ‬في‮ ‬الأسرة‮.. ‬كريم العريض‮.. ‬كريم البوسطه‮.. ‬راشد سوار‮.. ‬راشد الغريفي‮.. ‬عزيز زباري‮ ‬تلك اللقاءات كان لها أثر كبير في‮ ‬تكويننا الفني‮.. ‬من خلال النقاش الذي‮ ‬كان‮ ‬يدور بيننا‮.. ‬وكانت تغذي‮ ‬ذلك النقاش المقالات الفنية التي‮ ‬كنا نقرأها في‮ ‬المجلات والصحف الصادرة‮ ‬في‮ ‬تلك الأيام مثل الفكر المعاصر والمجلة والفنون والمعرفة السورية وغيرها‮.. ‬وإلى جانب تلك اللقاءات كنا نخرج إلى المدن والقرى في‮ ‬كثير من أيام الجمع والعطلات الرسمية لنرسم من الطبيعة،‮ ‬وقد رسمنا الكثير‮.. ‬في‮ ‬المقاهي‮ ‬والحارات الشعبية والبساتين والبحرين والسفن‮.. ‬وأقمنا معارض عدة في‮ ‬المعهد الثقافي‮ ‬البريطاني‮ ‬ونادي‮ ‬بابكو والنوادي‮ ‬الأهلية من تلك الرسومات والاسكتشات التي‮ ‬كنا نرسمها في‮ ‬تجوالنا‮.. ‬وفي‮ ‬العام‮ ‬‭,‬1967‮ ‬أقامت شركة كريراس كرافن‮ ”‬أ‮” ‬مسابقة لاختيار أعمال من الدول العربية وكانت البحرين إحداها وكنت سعيدا أن تكون إحدى لوحاتي‮ ‬ضمن المجموعة التي‮ ‬اختيرت من البحرين وقد طاف المعرض في‮ ‬سبع دول عربية وثلاث دول أوروبية‮.‬
وأذكر أنه عند تجوالنا لفتت نظري‮ ‬الزخارف الجصية الشعبية في‮ ‬واجهات بيوت قرية الدراز وبعض بيوت المحرق والمنامة فكنت أسجل كل نوع من تلك الزخارف في‮ ‬كراستي‮.. ‬وكنت مهتما بحكايات الغواصين فاختمرت لدي‮ ‬فكرة أن أرسم بعض تلك الحكايات وبدأت أعد الاستكشات والرسومات التخطيطية لها وأجمع القصص التي‮ ‬تحكي‮ ‬عن الغوص من كبار السن‮.. ‬وصدر ديوان الشاعر الكويتي‮ ‬محمد الفايز‮ ”‬النور من الداخل‮” ‬وقرأته أحسست أنه‮ ‬يجسد ما كنت أبحث عنه من معان وبدأت أرسم لوحاتي‮ ‬السبع عن الغوص وكانت من الحجم الكبير ومرسومة بالزيت وعندما انتهيت عرضتها في‮ ‬معرض أسرة فناني‮ ‬البحرين في‮ ‬الكويت العام‮ ‬‭,‬1969‮ ‬وكانت فرحتي‮ ‬كبيرة وأنا أجد الصدى الطيب للوحاتي‮ ‬تلك ولقد اختارت مجلة العربي‮ ‬الكويتية إحدى لوحاتي‮ ‬وهي‮ ”‬عرس الغواص‮” ‬ونشرتها في‮ ‬غلافها الداخلي‮ ‬بالألوان في‮ ‬العدد‮ ‬11‮ ‬الصادر في‮ ‬ديسمبر‮ ‬‭,‬1969‮ ‬وبعد عودتي‮ ‬إلى البحرين بفترة طلب مني‮ ‬الصديق الشاعر علي‮ ‬عبد الله خليفة أن أرسم مواويله الشعبية التي‮ ‬كان‮ ‬يعدها لتصدر في‮ ‬ديوانه‮.. ‬وفعلاً‮ ‬بدأت العمل فيها‮.. ‬وطبع ديوان‮ ”‬عطش النخيل‮” ‬للشاعر علي‮ ‬عبد الله خليفة محتوياً‮ ‬على رسوماتي‮.. ‬ولقد أفادتني‮ ‬تلك الرسومات وعملت منها لوحات زيتية عرضتها في‮ ‬معرض أسرة فناني‮ ‬البحرين في‮ ‬نادي‮ ‬النسور العام‮ ‬‭.‬1970
وعندما بدأت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إقامة المعرض التشكيل السنوي‮ ‬لفناني‮ ‬البحرين،‮ ‬وأكملت مسيرة ذلك المعرض وزارة الإعلام كانت حصيلتي‮ ‬منه ما‮ ‬يلي‮:‬
1‮)‬ميدالية العشرة الأوائل في‮ ‬المعرض الأول‮ ‬‭.‬1972
2‮)‬شهادة تقديرية في‮ ‬المعرض السادس‮ ‬‭.‬1977
3‮)‬شهادة تقديرية في‮ ‬المعرض السابع‮ ‬‭.‬1978
4‮)‬جائزة دلمون الأولى في‮ ‬المعرض الثامن‮ ‬‭.‬1979
5‮)‬جائزة دلمون الأولى في‮ ‬المعرض التاسع‮ ‬‭.‬1980
6‮)‬ميدالية من المعرض العاشر‮ ‬‭.‬1981
وكنت عندما تخصصت أسرة فناني‮ ‬البحرين في‮ ‬المسرح الموسيقي‮ ‬قد انضممت إلى جمعية الفن المعاصر وبدأت أشترك في‮ ‬معارضها وساهمت في‮ ‬النشاطات والفعاليات الآتية‮:‬
1‮-‬مثلت البحرين في‮ ‬اجتماع الأمانة العامة لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب في‮ ‬الإسكندرية العام‮ ‬1976‮ ‬مع الفنانين اسحق خنجي‮ ‬وأحمد العريفي‮.‬
2‮-‬شاركت في‮ ‬تجمع أصيلة الثقافي‮ ‬والفني‮ ‬الذي‮ ‬أقيم في‮ ‬مدينة أصيلة في‮ ‬المغرب العام‮ ‬‭,‬1980‮ ‬مع كريم العريض وإبراهيم بوسعد وكامل بركات واسحق خنجي‮.‬
3‮-‬شاركت مع وفد البحرين في‮ ‬معرض الخليج للفنون التشكيلية الأول بدولة قطر العام‮ ‬‭.‬1980
4‮-‬قمت مع الإخوان كريم العريض وإبراهيم بوسعد وكامل بركات واسحق خنجي‮ ‬بزيارة إلى المتاحف المهمة في‮ ‬باريس ولندن وأمستردام‮.‬
5‮-‬كنت من ضمن الوفد الذي‮ ‬اختارته وزارة الإعلام الذي‮ ‬أقام معرضا تشكيليا لأول مرة في‮ ‬سنغافورة العام‮ ‬1981‮ ‬وكان الوفد برئاسة الدكتور محمد الخزاعي‮ ‬مدير إدارة الثقافة والفنون في‮ ‬وزارة الإعلام وعضوية كل من كريم العريض ويوسف قاسم وراشد الخليفة وناصر اليوسف‮.‬
6‮-‬كتبت عدداً‮ ‬من المقالات عن الفنون التشكيلية في‮ ‬الصحف والمجلات المحلية وشاركت في‮ ‬بعض الندوات الفنية‮.‬
؟ كتب الفنان ناصر اليوسف هذه الشهادة في‮ ‬منتصف الثمانينات في‮ ‬كتاب‮ ”‬رواد الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين‮” ‬من إعداد عبد الكريم العريض وأحمد نشابه‮. ‬وقامت وزارة الإعلام بطبعاته من دون تحديد سنة الطبع‮.

Al-Watan :: Nasser Al-Yousif :: 17 June ’06