بين التراث والمعاصرة كان فتيل تجربة اليوسف

مات وبقيت أصابعه تبحث عن ألوانه
بوسعد: بين التراث والمعاصرة كان فتيل تجربة اليوسف

الوسط – جعفر الديري
يصفه بأنه كان فناناً ملتزماً عاشقاً إلى حد الهوس بالفن.

مبادراً إلى العمل وخلاقاً في انتاجه. فهو ­ والكلام لابراهيم بوسعد ­ كان فناناً أصيلاً لم يسع إلى تحقيق المناصب والمكاسب. ان الحديث مع الفنان ابراهيم بوسعد الذي يعتبر هو الآخر أحد الأسماء الحاضرة بقوة في المشهد التشكيلي البحريني حديث يلتمس إلقاء الضوء على جوانب انسانية كانت تميز المرحوم ناصر اليوسف.

فقد واكب بوسعد تجربة ناصر اليوسف وتعرف عن قرب على مدى الحميمية التي كانت تكتنف قلب الفنان الراحل لفنه. وها قد رحل اليوسف بعد أن ترك وراءه سجلاً فنياً كبيراً خوله أن يكون في صدارة فناني هذا الوطن. وهنا نسكن قليلاً مع هذه الذكريات…

حدثنا بداية عن الخيوط الأولى التي عقدت بينك وبين المرحوم ناصر اليوسف؟

­ بدأت علاقتي بناصر اليوسف من مكتبة الطالب وذلك في الستينات إذ كنت أقف متسمراً أمام بعض التخطيطات بالأسود والأبيض التي كنت مواظبا عليها اسبوعياً وكان عمري وقتها لا يتجاوز خمسة عشر عاماً. ولكن لسوء الحظ لم ألتق ناصر ولو مصادفة. ولكن بعد تخرجي العام 1987 في جامعة بغداد والتحاقي عضوا بجمعية الفن المعاصر أقيم معرض للجمعية في فندق دلمون ومن محاسن الصدف أني وجدت هناك الفنان الكبير ناصر اليوسف الذي تقدم وصافحني بابتسامة عريضة سأظل أتذكرها ما حييت. ومنذ تلك اللحظة توطدت علاقتي باليوسف لأكتشف يوما بعد يوم طيبة هذا الرجل ودماثة خلقه وهوسه بالفن إلى حد العشق.

إنسان كبير

ما لاحظناه وجود موجة عامة من الألم والحزن لفراق ناصر اليوسف، فهل كان اليوسف انسانا كبيرا إلى جانب كونه فنانا متميزا؟

­ لقد كان ناصر اليوسف انساناً كبيراً قبل أن يكون أيضاً فناناً كبيراً، فقد كان كبيرا في أخلاقياته ودماثة خلقه. وقد عرفته جميل المعشر محتضنا المواهب وكان الفن هاجسه الحقيقي اذ كان متطورا فكريا وتقنيا ويمتلك ثقافة فنية وحياتية واسعة أهلته لأن يغامر كثيرا في التعامل مع سطح اللوحة ليكتشف تقنيات مغايرة للسائد. والمتتبع لانتاجه يكتشف السطوح البارزة والنافرة مع استخدام مواد مغايرة للمواد السائدة في تلك الفترة. وهذا ملاحظ في لوحته «القط والطائر» التي تعتبر من أهم لوحاته ومنعطفاً ايجابياً في حياته.

هل لك أن توضح لنا الانجاز الكبير الذي خول ناصر اليوسف تسنم هذه المنزلة الكبيرة؟

­ في تصوري ان ناصر اليوسف من أهم الفنانين وذلك لما يمتلكه من مخزون ثقافي فني انساني فهو لم يقتصر حضوره على مرحلة من دون أخرى. وانما كان فنانا متجددا باحثا، يتميز بالصدق في التعامل مع العمل الفني فلو نظرنا إلى مراحله الفنية لوجدنا احساسا متدفقا ومشاعر انسانية مصدرها الوحيد المحيط الواقعي الذي يعيشه. فأهمية ناصر اليوسف تقع في معادلة صعبة وهي التراث والمعاصرة اللذين استطاع ناصر أن يقدمهما على أحسن شكل.

ظاهرة فنية

وهل تقف مع من يقول ان ناصر اليوسف يعد ظاهرة فنية تستحق الدراسة؟ وهل تراه عبقرياً في رسمه على رغم اصابته بالعمى؟

­ نعم ناصر اليوسف ظاهرة فنية، فهو ظاهرة فنية أخلاقية ملتزمة بتقديم فن صادق عن طريق ملكة البصيرة بعد فقدان البصر. وقد كنت في زيارة لمعرضه الأخير الذي أقامه في صالة البارح. وكان بصحبتي الفنان والناقد التشكيلي أسعد عرابي وكنت حريصاً على أن يرى لوحات ناصر اليوسف إذ وقف بانبهار أمام بعض لوحاته وهو يحللها ويثني على البساطة والعمق اللذين فيها. وبعد أن أخذ جولة في المعرض أخبرته بأن هذا الفنان كفيف فبانت الدهشة على وجهه. وبعدها كنت حريصاً جداً على أن يسمع ناصر وجهة نظر أسعد عرابي في أعماله، وقد اتصلت به مباشرة وحدثه أسعد عن دهشته بهذه الأعمال. وكنت حريصاً على هذه المكالمة لأنه كلما سألني ناصر عن لوحاته ورأيي فيها كنت أقول له ان لوحاته رائعة وكان يعتقد أني كنت أجامله. لذلك أقولها بكل فخر واعتزاز ان ناصر اليوسف ظاهرة فنية قبل المرض وبعده.

وكيف تعوض برأيك الدولة والمؤسسات الرسمية التهميش الذي واجهه ناصر اليوسف وغيره من الفنانين؟

­ إن ناصر اليوسف تجربة مهمة جدا يجب الحفاظ عليها. فناصر لم يؤثر في فقط وانما انجب من الأبناء البررة محمود وجمال وكمال وهاني وعبير ومهمتنا ومهمتهم الآن الحفاظ على تراثه الانساني وتقديمه بأحسن وجه. إلى جانب اهتمام الدولة بهذا التراث بالتنسيق مع أبنائه، فناصر اليوسف كان فنانا أصيلاً لم يسع إلى تحقيق المناصب والمكاسب بل كان مخلصاً لفنه وتراثه.

Al-Wasat :: Ja’afar Al-Dairi :: 22 June ’06

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *