ورحل فارس الفن التشكيلي‮: ناصر اليوسف‮.. فقد البصر فامتلك البصيرة

كتب محمد أحمد البنكي‮:‬

”‬الناس من دون تراث لا قيمة لهم‮”‬

تحدد هذه الإفادة التي‮ ‬أدلى بها ناصر اليوسف ذات لقاء صحافي‮ ‬سابق المسار الذي‮ ‬يمكن أن تجترحه تجربته التشكيلية وما‮ ‬يتلبث وراءها من مخزون رؤيوي‮. ‬والحق أن ناصر اليوسف قد ظل طوال الوقت مؤمناً‮ ‬بحيوية الفن الإسلامي‮ ‬والفن الشعبي‮ ‬وقد سيَّج كل منهما عالم طفولته‮: ‬نشأةٌ‮ ‬في‮ ‬المحرق حيث خصوصية المعمار الزخرفي‮ ‬الجميل،‮ ‬واشتغال عائلي‮ ‬بتقصيب وتطريز البشوت،‮ ‬حيث‮ ‬يجتمع في‮ ‬منزل الأسرة أمهر الصُنَّاع من الخليج والجزيرة العربية،‮ ‬وشغف باكر التيقظ على بطولات عنترة وهجرات الهلاليين حيث‮ ‬يتشبع الطفل الصغير بقصص التراث ويرددها في‮ ‬المجالس‮.‬
هذا الاستحواذ الذي‮ ‬شَكل المدركات من حول ناصر ظل قوي‮ ‬الإشعاع والفعل في‮ ‬كل مراحل حياته الفنية التالية،‮ ‬ولا‮ ‬يكاد لقاء صحافي‮ ‬معه‮ ‬يخلو من إشارة احتفائية إلى هذه المظاهر التي‮ ‬حفَّت بخبراته الجمالية الأولى‮ (‬ولعل ما‮ ‬يكتسي‮ ‬خصوصية في‮ ‬المغزى ضمن هذا السياق تكرار لفظة الذكريات في‮ ‬أسماء لوحات ناصر اليوسف‮: ‬ذكريات‮ ‬غواص‮ ”‬‭”‬1‮ ‬ذكريات‮ ‬غواص‮ ”‬‭,”‬2‮ ‬ذكريات‮ ‬غواص‮ ”‬‭,”‬3‮ ‬ذكريات طفولية،‮ ‬ذكريات الغواص‮).‬
ورّث هذا كله آثاره البعيدة على تجربة ناصر اليوسف التشكيلية على أكثر من مستوى،‮ ‬فقد ذهبت تقنياته وألوانه في‮ ‬مسارات تتلاءم مع معطيات هذه البيئة،‮ ‬وبرزت في‮ ‬حسه أهمية البناء الفني‮ ‬من خلال مسطح الصورة،‮ ‬وتعاملت تجربته مع الفراغ‮ ‬والحيّز في‮ ‬اللوحة بنحوٍ‮ ‬خاص وشديد المغزى‮. ‬أما موضوعاته فقد عوّلت في‮ ‬غالب الأمر على ذاكرة بصرية طفولية ثرية المخزون،‮ ‬وأما رؤاه فقد بنت عالمها الدلالي‮ ‬من خلال نموذج توليدي‮ ‬ينسجم مع نظام كلاسيكي‮ ‬لرؤية العالم تتخلق عبره الأشكال منبثقة من شكل أولي‮ ‬واحد هو الأصل الذي‮ ‬ترتد إليه قوانين الأشياء،‮ ‬وهو المصدر الذي‮ ‬تتناغم المعاني‮ ‬وتنسجم من حوله‮.‬
طوال الوقت كان ناصر اليوسف واعياً‮ ‬بمصادر بحثه الجمالي،‮ ‬وقد تعززت صور الطفولة البهيجة بما كانت الذاكرة تلتقطه من مشاهد المعمار الإسلامي‮ ‬يوم أن كان ناصر في‮ ‬عداد الفنانين الجوالين‮ ‬يذرع القرى ويجوب المدن مع رفقته الفنية‮: ‬العريض والسني‮ ‬والبوسطة وسوار والعريفي،‮ ‬جولات كهذه أكسبت اليوسف مشاهدات‮ ‬غنية وحباً‮ ‬جارفاً‮ ‬للبيئة وإنسانها البسيط،‮ ‬كما أكسبته قدرةً‮ ‬مباشرة على التعبير،‮ ‬واسترسال لافت ساعة تنفيذ اللوحة،‮ ‬ومهارة مميزة في‮ ‬منح التكوينات والألوان الفورية عفويتها النادرة،‮ ‬وكانت هذه الخواص هي‮ ‬أول الدروس المستفادة من حيوية الإسكتش وتخطيطاته السريعة‮.‬
لقد ظل تدريب ناصر اليوسف الفني‮ ‬الأصيل حصيلة سليقة فطرية مواتية جاءت الخبرات الفنية والقراءات والزيارات الميدانية للمعارض لتضيف إليها فيما بعد،‮ ‬ولكن عين الراصد للوحات اليوسف لا تكاد تخطئ،‮ ‬مع ذلك،‮ ‬تحديد المظاهر الواغلة التي‮ ‬تركتها هذه المعاينات والاستعدادات الأولية في‮ ‬مجمل التجربة،‮ ‬بل إن إدلاءات ناصر اليوسف نفسه حول تجربته باحتفائه الواعي‮ ‬بالأسلوب الذي‮ ‬ينميه والمصادر التي‮ ‬يقبس منها في‮ ‬الرؤية والاختيارات‮.‬
جماليات إسلامية
يمكننا فيما‮ ‬يختص بالإشارة إلى الخلفيات المرجعية التي‮ ‬نهضت عليها تجربة ناصر اليوسف أن نقرر بشيء من الاطمئنان أن قدراً‮ ‬كبيراً‮ ‬من هذه المساحة المرجعية ستستأثر به جماليات الفن الإسلامي‮ ‬بما عرف عنه من تحرر من قواعد الرسم الأكاديمي‮ ‬التي‮ ‬فرضها التطور الفني‮ ‬الأوروبي‮ ‬على صعيد المنظور والظل والنور والنسب والتشريح،‮ ‬ومن خروج على إسار الإيهام بالمكان الواقعي‮ ‬إلى رحاب المطلق والتجريد الزمكاني،‮ ‬ومن اهتمام بالروحانية العميقة الكامنة وراء هذا الوجود بدلاً‮ ‬من الاهتمام بالشكل الآني‮ ‬لعناصر هذا الوجود،‮ ‬وهو ما‮ ‬يفتح على تكثيف ترميزية التجربة وغنى عالمها بالشفرات والدلالات التي‮ ‬تختزل الأشياء رادة إياها إلى ما هو جوهري‮ ‬بنائياً‮ ‬فحسب‮.‬
إن جانباً‮ ‬من الإحالة لا بأس به‮ ‬يومئ إلى دور المؤثر الشعبي‮ ‬في‮ ‬خلفية ناصر اليوسف الجمالية كذلك،‮ ‬والحق أنه من الاعتساف أن نغالي‮ ‬في‮ ‬الفصل بين مظاهر الفن الشعبي‮ ‬ومظاهر الفن الإسلامي،‮ ‬غاية ما‮ ‬يمكن توصيف الفن الأول به هو أنه تنويع،‮ ‬يستفيد من خصوصية الثقافة المحلية في‮ ‬تقديم أنماط فرعية من الفن الإسلامي‮ ‬الأشمل،‮ ‬هكذا فإن طابعاً‮ ‬محلياً‮ ‬من الزخرفة سيتدخل في‮ ‬طبيعة المكونات التي‮ ‬ينتخبها ناصر اليوسف من الفن الإسلامي،‮ ‬وكذا أيضاً‮ ‬ستفعل بعض المعتقدات الشعبية المتعلقة بالحسد وشر العيون ورمزية بعض الحيوانات،‮ ‬إضافة إلى إيماءات توحي‮ ‬بقدر أو آخر من تدخل جماليات بعض الأجناس الأدبية والفنية كالموال وفنون البحر في‮ ‬إمداد لوحات اليوسف بثقافتها المرجعية الرافدة‮.‬
في‮ ‬كل الأحوال سنجد آثار هذه المؤثرات إضافة إلى بعض سمات الفن البدائي‮ ‬وفن الطفل،‮ ‬والقاعدة المشتركة بينهما وبين الفن الإسلامي‮ ‬والفن الشعبي‮ ‬كبيرة نسبياً‮ ‬على ما هناك من تفارقات،‮ ‬صميمية في‮ ‬لوحة ناصر اليوسف‮ (‬وهذا لا‮ ‬يعني،‮ ‬طبعاً،‮ ‬نفي‮ ‬التشقيقات التي‮ ‬يفتحها ناصر اليوسف على مختلف مدارس الفن الأوروبي‮ ‬خصوصاً‮ ‬التكعيبة في‮ ‬الستينيات،‮ ‬والتعبيرية في‮ ‬كل التجربة،‮ ‬والتجريدية منذ منتصف الثمانينيات‮).‬
تكوينات الفنان
التكوين لدى ناصر‮ (‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬لوحات ما قبل الغزو الإسرائيلي‮ ‬للبنان‮-‬1982‮) ‬يقوم على أساس توزيع الكتل بشكل‮ ‬يحتوي‮ ‬الفراغ‮ ‬في‮ ‬اللوحة،‮ ‬وربما وجدنا لذلك جذوراً‮ ‬في‮ ‬البناء المعرفي‮ ‬الإسلامي‮ ‬الذي‮ ‬يجعل ما هو روحي‮ (‬الأثير‮ -‬غير المتعين‮- ‬الفراغ‮) ‬محتوىً‮ ‬فيما هو مادي‮ (‬الكون‮ -‬الجسد‮- ‬الكتلة‮)‬،‮ ‬ستبدو لنا هذه الخصيصة التكوينية لدى ناصر أشد وضوحاً‮ ‬فيما لو جرت المقارنة بتكوينات ضياء العزاوي‮ ‬عربياً‮ ‬على سبيل المثال،‮ ‬أو على صعيد محلي‮ ‬بتكوينات الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة والدور الذي‮ ‬يلعبه الفراغ‮ ‬في‮ ‬إبرازها داخل إطار اللوحة‮.‬
إن دور الفراغ‮ ‬عرضة للتضاؤل على الدوام في‮ ‬لوحات ناصر اليوسف السبعينية،‮ ‬ولو أننا تأملنا لوحة عرس الغواص‮ (‬76‮*‬108‮ ‬سم‮ – ‬زيتية‮ – ‬9691‮)‬،‮ ‬أو لوحة ذكريات‮ ‬غواص‮-‬2‮ (‬14‮*‬10‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬9691‮)‬،‮ ‬أو‮: ‬ذكريات‮ ‬غواص‮-‬3‮ (‬18‮*‬12‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬4791‮)‬،‮ ‬أو الأرض الخضراء‮ (‬122‮*‬76‮ ‬سم‮ – ‬زيتية‮ – ‬7791‮)‬،‮ ‬أو‮: ‬ذكريات طفولية‮ (‬41‮*‬56‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬4791‮)‬،‮ ‬أو‮: ‬يا معيريس‮ (‬51‮*‬61‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬9791‮) ‬فسنجد أن الفراغ‮ ‬مكافَح‮ (‬بفتح الفاء‮) ‬على امتداد اللوحة،‮ ‬والصيغ‮ ‬المعمارية مقتربة من الصيغ‮ ‬الإسلامية والشرقية التي‮ ‬تعمد إلى شغل الحيز من خلال تحقيق بعض التناظرات والتكرارات الهندسية لعناصر زخرفية تشتغل على أساس تأليفي‮ ‬يقوم على استعادة الموتيف وتكرار الثيمة البصرية المستقاة من مفردات الحياة التراثية‮: ‬سلة،‮ ‬صندوق مبيت،‮ ‬دوائر زخرفية،‮ ‬أبواب تقليدية‮.. ‬الخ،‮ ‬وتنفيذ ذلك من ناحية تقنية عبر هيمنة الخطوط الرأسية‮ (‬بما تحيل عليه من أبعاد ميثولوجية تدور مدار السماوية والقوة والحياة الخالدة في‮ ‬التصور الإسلامي‮)‬،‮ ‬وإسقاط البعد الثالث بما‮ ‬يخدم التجريد‮ ”‬الزمكاني‮” ‬وتسطيح المشهد الذي‮ ‬تعرضه اللوحة،‮ ‬وتغييب مقصود لقوانين التشريح في‮ ‬رسوم الأشخاص والحيوانات مع وضع الإنسان في‮ ‬نقطة استقطاب بصري‮ ‬تتحكم في‮ ‬توزيع بقية العناصر التأليفية‮.‬
بدءاً‮ ‬من أوائل الثمانينيات،‮ ‬وربما مع معرض اليوسف المشترك مع إبراهيم بوسعد حول الغزو الإسرائيلي‮ ‬للبنان‮ – ‬‭,‬1982‮ ‬ستتخطى التجربة بعضاً‮ ‬من منطلقاتها السابقة،‮ ‬سيبدأ الفراغ‮ ‬في‮ ‬غزو بعض من مساحات اللوحة،‮ ‬وسيمارس الفنان اليوسف اقتصاداً‮ ‬واختزالاً‮ ‬ملحوظين على تطريز العالم من حول الإنسان الذي‮ ‬سيظل محورياً‮ ‬في‮ ‬لوحات هذه المرحلة أيضاً،‮ ‬ولكن مع قدر من الاغتراب والوحشة،‮ ‬ومع قدر من تحول الكائنات التي‮ ‬تسكن اللوحة من رجال ونساء وحيوانات مألوفة إلى كائنات هلامية ممسوخة وغريبة التكوين،‮ ‬كما في‮ ‬لوحة لبنان‮ ‬يحترق‮ (‬122‮*‬60‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬2891‮)‬،‮ ‬أو في‮ ‬لوحة السقوط‮ (‬58‮*‬74‮ ‬سم اكرليك ومواد أخرى‮ – ‬2891‮)‬،‮ ‬أو لوحة العائلة والقط‮ (‬14‮*‬18‮ ‬سم‮ – ‬أحبار ملونة‮ – ‬3891‮) ‬مثلاً،‮ ‬وقد‮ ‬يتحولون إلى أشلاء أو شظايا تتخايل فيما‮ ‬يشبه الأصابع أو العيون وغيرها من التجسيدات الإنسانية،‮ ‬كما في‮: ‬صبرا وشاتيلا‮ (‬29‮*‬40‮ ‬سم‮ – ‬أحبار ملونة‮ – ‬1891‮) ‬أو النابالم‮ (‬22‮*‬29‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬1891‮) ‬على نحو قد‮ ‬يذكر‮ (‬مع الوعي‮ ‬بمساحة المغايرة‮) ‬بكائنات بيكاسو المعذبة جراء الحروب وويلات الدمار‮. ‬في‮ ‬هذه المرحلة ستشتغل تجربة ناصر بدينامية تفرز عناصر الثبات والتحولات في‮ ‬قوامها الفني،‮ ‬ومع أننا سنعثر على أكثر من شاهد على مستويات تقنية وموضوعاتية ورؤيوية تُبين عن حجم المستجدات التي‮ ‬اغتنت بها التجربة إلا أننا سنلتقط كذلك مجموعة من الملامح التي‮ ‬تؤشر بشدة إلى مسلمات التجربة جمالياً‮ ‬وما لا تستطيع التفريط به‮.‬
مقارنة عابرة بتكوينات الجسد الإنساني‮ ‬عند إبراهيم بوسعد والتكوينات الموازية عند ناصر اليوسف في‮ ‬المعرض المشترك المشار إليه آنفاً،‮ ‬ستسفر عن مظهر من مظاهر الثبات الذي‮ ‬نتحدث عنه،‮ ‬فعلى حين تبدو تكوينات الجسد لدى بوسعد عنيفة،‮ ‬مفسحة للفورة والعنفوان والفتل العضلي‮ ‬كي‮ ‬ترشح من خلال اللوحة،‮ ‬فإن تكوينات اليوسف ظلت محتفظة للجسد بمسالمته نوعاً‮ ‬ما،‮ ‬وبالتعبيرية الرمزية الكامنة في‮ ‬جوانيته أكثر مما هي‮ ‬طافرة من عضلاته وتشريحه الفسيولوجي‮.‬
قالب الأمثولة
هذه المرحلة ستعرف أيضاً‮ ‬ازدهار قالب الأمثولة‮ ‬Allegory‮ ‬على صعيد الرؤية التي‮ ‬تشكل اللوحة،‮ ‬وسيكون في‮ ‬التركيز على الحيوان ما‮ ‬يمثل امتداداً‮ ‬لمراحل سابقة اختص ناصر اليوسف فيها القط والعصفور والديك والحمامة باهتمام تشكيلي‮ ‬خاص،‮ ‬ولكن التجربة ستعرف الآن مجازية أوسع على الصعيد الرمزي،‮ ‬حيث سيتمخض القط للدلالة على النوازع الشريرة التي‮ ‬تتلبس الرجل أحياناً‮ (‬لاحظ مغزى صرف الاهتمام عن إبراز ذكورية القط في‮ ‬لوحة‮ ”‬الانتظار‮” – ‬اكرليك ومواد أخرى‮ – ‬‭,‬1979‮ ‬والتركيز،‮ ‬بالمقابل،‮ ‬على ملامح ذكورة القط في‮ ‬لوحة‮ ”‬السقوط‮ – ‬اكرليك ومواد أخرى‮ – ‬1928‮ ‬مع أن اللوحتين تمثلان تعاقباً‮ ‬متسلسل الحلقات على مستوى حكائي‮ ‬رغم الفارق الزمني‮ ‬في‮ ‬سنوات التنفيذ،‮ ‬كما سيتمخض الديك للدلالة على الحالة السوية للرجل التي‮ ‬تتمازج عبرها نوازع الخير والزهو والقابلية للتطويع حتى مع العنجهية الظاهرة‮ (‬والمرأة في‮ ‬العادة هي‮ ‬التي‮ ‬تمتلك زمام الترويض في‮ ‬عالم اليوسف الفني‮)‬،‮ ‬يمكننا التنويه هنا بالإشارات المبذولة في‮ ‬لوحات مثل‮: ‬الديك المدلل‮ (‬15‮*‬20‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ ‬1985‮)‬،‮ ‬الديك الثائر‮ (‬20‮*‬28‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬1985‮) ‬واللعبة‮ (‬27‮*‬37‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬1985‮).‬
تتخذ الحمامة بدلالتها الرمزية العامة تشابكات دلالية ربما كانت أقرب إلى تمثيل المرأة في‮ ‬هذه المرحلة من تجربة ناصر اليوسف،‮ ‬أما العصفور الذي‮ ‬يحضر بكثافة في‮ ‬لوحات اليوسف‮ (‬وربما لا تستدعي‮ ‬الذاكرة فناناً‮ ‬عربياً‮ ‬وظَّف العصفور بهذه الدرجة من التكرارات في‮ ‬اللوحة،‮ ‬كما‮ ‬يفعل ناصر،‮ ‬سوى اللبناني‮ ‬حسين ماضي‮)‬،‮ ‬فإن استحضاره‮ ‬يتحرك على مساحة من الحقول الدلالية تقترب من الأمل تارة ومن الطفولة المحتاجة إلى الرعاية تارة أخرى،‮ ‬ثم من الحرية طوراً‮ ‬إلى الألفة والأمن طوراً‮ ‬آخر‮. ‬ولنا متعة في‮ ‬تأمل عصافير اليوسف عبر لوحات مثل‮: ‬الله‮ ‬يرعى الثمر‮ (‬51‮*‬61‮ ‬سم‮ – ‬طباعة ورق مفرغ‮ ‬وزيت‮ – ‬1970‮)‬،‮ ‬المرأة‮ (‬51‮*‬61‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬1974‮)‬،‮ ‬ذكريات طفولية‮ (‬41‮*‬56‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬1974‮)‬،‮ ‬الحماية‮ (‬44‮*‬32‮ ‬سم‮ – ‬حفر لاينو وزيت‮ – ‬8791‮)‬،‮ ‬حماية الطائر الأخضر‮ (‬51‮*‬61‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬1979‮)‬،‮ ‬كتابات عربية‮ (‬61‮*‬76‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬1983‮)‬،‮ ‬امرأتان‮ (‬33‮*‬28‮ ‬سم‮ – ‬مائية‮ – ‬1985‮)‬،‮ ‬القط والطائر‮ (‬28‮*‬30‮ ‬سم‮ – ‬مائية وأحبار وكولاج‮ – ‬1985،‮ ‬الأمل‮ (‬42‮*‬30‮ ‬سم‮ – ‬حفر على الزنك‮ – ‬1988،‮ ‬دعاء في‮ ‬رمضان‮ (‬61‮*‬76‮ ‬سم‮ – ‬اكرليك‮ – ‬1989‮).‬
وبغض النظر عما‮ ‬يمثله الاستخدام الخاص للحيوان في‮ ‬مستوى البنى الدلالية لتجربة ناصر،‮ ‬مما سنعرض له،‮ ‬إلا أن كثافة اللجوء إلى الحيوان في‮ ‬اللوحة تنسجم مع النظام الكلاسيكي‮ ‬لتصور العالم بما هو عليه من‮ ‬غنى سميولوجي‮ ‬وتشابهات في‮ ‬العلاقات بين الدوال والأشياء وقرابات في‮ ‬النوازع والسلوك،‮ ‬واستهداف للتكامل والانسجام والمحافظة على تناغمات الحياة‮.‬
في‮ ‬دراسة بعنوان‮ ”‬كيف‮ ‬يرى الفنانون الحيوانات‮” ‬يتتبع كينيث كلاري‮ ‬تطور توظيف الحيوان في‮ ‬اللوحة التشكيلية ملاحظاً‮ ‬الحظوظ المتفاوتة التي‮ ‬حظى بها الحيوان كموضوع على امتداد تواريخ الفنون،‮ ‬وهو‮ ‬يشير في‮ ‬المجمل إلى استهلاك هذا الطراز من الموضوعات الفنية في‮ ‬القرون الأخيرة وعزوف الفنانين بدءاً‮ ‬من الانطباعية عن الحيوان كموضوع‮ (‬إذ لم‮ ‬يرسم مانيه ولا مونيه ولا سيزان الحيوانات‮) ‬لكنه‮ ‬يشير بالمقابل إلى تصاعد اهتمام جديد بالحيوان مع المدرسة التعبيرية التي‮ ‬وظفته من منطلق امتلاكه طابعاً‮ ‬مشابهاً‮ ‬للطابع البشري‮ ‬بشكل مرعب،‮ ‬مع علّوه على التعقيد البشري‮ ‬بفعل كونه خاضعاً‮ ‬لهدف واحد متسلط على كيانه‮. ‬ولئن صح أن ناصر اليوسف أقرب في‮ ‬السمات الأسلوبية إلى الاتجاه التعبيري‮ ‬في‮ ‬الفن،‮ ‬وهو ما‮ ‬يصادق عليه ناصر اليوسف شخصياً‮ ‬ذات مقابلة من المقابلات،‮ ‬فإن هذه المقدمات جميعها كفيلة باستخلاص كم تتفارق التوظيفات الفنية للحيوان بين ناصر اليوسف وبين آخرين في‮ ‬الساحة التشكيلية المحلية تذهب لوحاتهم بعيداً‮ ‬في‮ ‬توظيف الحيوان‮ (‬الخيول على الأخص‮) ‬ولكن على أساس‮ ‬يخضع للمحاكاة في‮ ‬الأغلب أمثال هشام زباري‮ ‬وغير واحد من فناني‮ ‬آل بوسطة‮ (‬مع فوارق لافتة عند عبدالكريم البوسطة لا‮ ‬يتسع المجال للإفاضة حولها في‮ ‬هذا المقام‮).‬
ينفذُ‮ ‬ناصر اليوسف إلى هذه الموضوعات والتصاميم عبر معالجات لونية تركِّز على الألوان الحارة وتبرز خشونة السطح وملمس اللوحة وتتقصد إظهار اتجاهات حركة الفرشاة على اللوحة أحياناً‮ ‬مع الاقتصاد في‮ ‬المزج اللوني‮ ‬أو استخدام القليل منه على‮ ”‬الباليت‮” ‬واللجوء إلى إظهار التدرجات خصوصاً‮ ‬في‮ ‬لوحات القوالب الحكائية والأمثولات على نحو‮ ‬يتعاضد مع المغزى الذي‮ ‬تستهدف اللوحة تقريره‮.‬
بنية الدلالة
لا تتركنا عوالم ناصر اليوسف نتهجى الدخول إليها طويلاً،‮ ‬هناك ما‮ ‬ينبثق،‮ ‬على حين‮ ‬غرة،‮ ‬رخواً‮ ‬وطقسياً‮ ‬ولكنه شديد التعليم،‮ ‬ما‮ ‬يعلم عليه هو شيء ما‮ ‬يتعلق بنا،‮ ‬نرانا فيه،‮ ‬حيز متوازي‮ ‬من أحياز الذاكرة في‮ ‬العادة،‮ ‬أو ربما حنين طفولي‮ ‬يحسن اليوسف أن‮ ‬يهبه اندلاعه كلما تقاصينا عن الدمن والمرابع‮.‬
لكم أن تستعرضوا إن شئتم الأمثلة‮: ”‬ذكريات‮ ‬غواص‮”‬،‮ ”‬ذكريات طفولية‮”‬،‮ ”‬أم البخنق‮”‬،‮ ”‬من ليالي‮ ‬ألف ليلة وليلة‮”‬،‮ ”‬حناج عجين‮”‬،‮ ”‬يا معيريس‮!”‬،‮ ”‬عرس الغواص‮”. ‬أسماء ناصر اليوسف للوحاته خروج من ليل المعنى،‮ ‬خروج مما‮ ‬يمسي‮ ‬خافت الرنين‮ (‬ومجبولاً‮ ‬على الاهتزاز مع ذلك‮).‬
لا واحدية أبعاد ها هنا،‮ ‬كل ما‮ ‬ينبض في‮ ‬امتداد‮ ”‬الكنفس‮” ‬هو تعالق من النداءات‮ ‬يقصد كل منا بما لا‮ ‬يقصد الآخر،‮ ‬ليس ثمة نداء ألا وهو أمة من الأمم،‮ ‬تناسل من سلالات الدلالة إلى ما لا نهاية،‮ ‬هكذا‮ ‬يواجهنا مشهد ناصر اليوسف الذهني‮ ‬محتشداً‮ ‬وفائضاً‮ ‬ومغرراً‮ ‬بمن لا‮ ‬يُعد للقراءة البصرية عدتها الشارطة‮.‬
ما إن‮ ‬يتناهى إلينا نداء اليوسف،‮ ‬ونداء تكويناته المضمخة بالينابيع والذكرى،‮ ‬حتى ننفتح،‮ ‬بغتةً،‮ ‬على بنية دلالية متزالقة الشفرات،‮ ‬دال‮ ‬يعوم ودلالة تنزلق كما عبر جاك لاكان ذات إلماح إلى فتنة اللغة‮. ‬ليس هناك في‮ ‬هذا العالم،‮ ‬عالم اليوسف،‮ ‬تخوم نهائية لسلطة التأويل،‮ ‬صحيح أن التوليد الدلالي‮ ‬موئله نموذج ثابت‮ ‬يثوي‮ ‬في‮ ‬نفس الفنان شفيقة الإيمان‮: ‬يتموضع من خلاله الإله في‮ ‬المركز وتدور حوله الأشياء والممارسات والخلائق،‮ ‬ويتكرر النموذج في‮ ‬صورته الأرضية بجعل الإنسان مركزاً‮ ‬وتشكل الكائنات والجمادات في‮ ‬مدارات سلطانه‮ (‬ألم‮ ‬يخلق الله آدم على صورته؟ ألم‮ ‬يستخلفه في‮ ‬أحراش الأرض؟‮)‬،‮ ‬إلا أن هذا النموذج لا‮ ‬يتعدى كونه طرازاً‮ ‬تأسيسياً‮ ‬فحسب،‮ ‬يغتني‮ ‬باستمرار ولا‮ ‬يغلق الدائرة التأويلية،‮ ‬يقترح مديونية معنى ملأى كثيفة،‮ ‬ولكنه‮ ‬يظل متعالياً‮ ‬وغير مخضع لقراءة وحيدة البعد‮.‬
في‮ ‬العالم الذي‮ ‬يشكله اليوسف مناخات دلالية مشبعة بالرموز والشفرات والأمثولات والصور البهيجة،‮ ‬وفيه نستطيع الوقوع على تشابهات واقترانات بين مختلف العناصر والكائنات،‮ ‬فما‮ ‬يريد ناصر تمثيله في‮ ‬اللوحة له دائماً‮ ‬ما‮ ‬يتجاوز وجوده الموضوعي‮ ‬المادي‮ ‬ذاهباً‮ ‬إلى طاقات الأسطورة والسحر والمتخيل،‮ ‬وعن طريق التعويل على ذاكرة بصرية مكتنزة بالعديد من الأشكال والرؤى والتقابلات والحلول تنبثق اللوحة عند اليوسف مسكونة بالحيوانات والمطرزات والأدوات الشعبية والنقوش والكتابات والتعاويذ والاستعاذات‮… ‬والإنسان‮: ‬حراسات ورموز وأجواء ملفوفة بالسحر وعبق النموذج‮. ‬أما ما‮ ‬يقبع في‮ ‬المركز فهو ذلك الجرم الذي‮ ‬انضوى فيه العالم الأكبر‮: ‬كائن‮ ‬يحمل الأمانة ويُلهم الأسماء ويقبض على مقاليد التمكين اسمه‮: ”‬الإنسان‮”.‬
يحضر الإنسان كقاسم مشترك في‮ ‬معظم لوحات ناصر،‮ ‬ولو حاولنا مجرد استعراض أسماء اللوحات التي‮ ‬تسجِّل حضور الإنسان لطال بنا المقام،‮ ‬فمن أول الاسكتشات التسجيلية في‮ ‬بواكير التجربة مروراً‮ ‬بمرحلة التركيز على الغواص والفلاح،‮ ‬وصولاً‮ ‬إلى مرحلة الأشلاء والاختزالات المشيرة إلى محنة الكائن،‮ ‬وامتداداً‮ ‬إلى مرحلة الأمثولة أو الحكاية الرمزية،‮ ‬وانتهاء بالمرحلة الأخيرة‮ (‬بعد فقد البصر‮) ‬التي‮ ‬يتشبث إنسانها بنزوع‮ ‬غامض إلى ممالك الذاكرة والأنس بالزمن الهارب،‮ ‬يبقى الإنسان قطب عالم ناصر اليوسف ومحرك التجربة ورؤاها وأشواقها العليا‮.‬
الحرص على استحضار الشكل الإنساني‮ ‬في‮ ‬تجربة اليوسف‮ ‬يقترن طوال الوقت بإقامة علاقة تحويرية مع قسمات هذا الكائن،‮ ‬أبعاده،‮ ‬فسيولوجيته،‮ ‬خواصه المنظورية،‮ ‬إلا أن هذا التحوير لا‮ ‬يمس الجوهري‮ ‬فيما هو إنساني،‮ ‬يظل هذا الجانب بمنأى عن التلاعب بمغازيه وإحالاته،‮ ‬بل نستطيع أن نقول إن ناصر اليوسف‮ ‬يضفي‮ ‬بعداً‮ ‬تبجيلياً‮ ‬على هذا الجوهر،‮ ‬ينافح في‮ ‬صفه قبالة كل مناوشة أو محاولة للاستخفاف‮. ‬الإنسان قيمة عليا لا تقبل المقايضة أو المزايدة على المواقع عند هذا الفنان‮.‬
سيلفتنا في‮ ‬غواص اليوسف‮ (‬إنسان المرحلة من‮ ‬65‮ ‬إلى‮ ‬69‮ ‬من تجربة الفنان‮) ‬مغالبته ضنك الحياة من حوله،‮ ‬ملامحه ناتئة ويطفر منها العناء،‮ ‬ولكنه‮ ‬يتصيد لحظات الفرح بضراوة‮.. (‬وفلاح المرحلة السبعينية امتداد له‮)‬،‮ ‬ولئن كانت النهارات إكراهاً‮ ‬وإخضاعاً‮ ‬وسخرة فإن العتمة والليل عناصر فانتستيكية درامية،‮ ‬يغرم بتصويرها الفنان،‮ ‬حيث تظل المرأة في‮ ‬لوحة ناصر‮: ‬أليفة ووادعة،‮ ‬ودودة وتعويضية‮ (‬لكنها لا تنزلق إلى لعبة الفتنة والغواية ولا تكاد ترتكب التبرج أو الشهوة،‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نتذكر‮).‬
إن شخوص ناصر اليوسف نمطية ومنمذجة‮: ‬الرجل الذي‮ ‬يغالب الأخطار ويحتاج إلى دفقة وُدّ‮ ‬حين‮ ‬يثوب إلى راحة،‮ ‬والمرأة الأسرارية،‮ ‬السكن والرحمة،‮ ‬المالكة لزمام إدارة اللعبة،‮ ‬والتي‮ ‬تقترف كل الوقائع على شرف اسمها وبوحي‮ ‬الوصول إلى مرقاتها العالية‮. ‬وما التقابلات الثنائية هنا إلا تجلٍّ‮ ‬من تجليات قانون رؤيوي‮ ‬أشمل‮ ‬يصوغ‮ ‬عوالم ناصر اليوسف وتلعب فيه المراوحة بين الثنائيات لعبة تنظيم الرموز بين الحياة والموت،‮ ‬السر والجهر،‮ ‬الأرض والسماء،‮ ‬النور والظلمة،‮ ‬الخير والشر،‮ ‬ما‮ ‬يمثل أبداً‮ ‬هو حركة دورانية لن نسميها عوداً‮ ‬أبدياً‮ (‬فنيتشه سيبدو مقحماً‮ ‬على السياق هنا بينما‮ ‬يقبس ناصر من استعادة تكرارية تتحاكى مع دورة تجديد الدين وسيرورة تاريخ النجاة بحسب ما‮ ‬يقترح منظور ديني‮ ‬وإيماني‮ ‬الصدور‮).‬
تبدأ اللوحة لدى ناصر اليوسف من التراث وتنتهي‮ ‬إلى ربط القيمة الأسمى للإنسان بقدرته الزاخرة على التوليد من هذا التراث،‮ ‬هل نستطيع أن نقول إن في‮ ‬هذه الأصالة الاستثنائية مكمنَ‮ ‬التميز الذي‮ ‬يصدر عنه هذا الفنان

Al-Watan :: Mohammed Ahmed Al-Banki :: 17 June ’06

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *