Categories
مقالات ناصر اليوسف

بين ناصر اليوسف وابراهيم بوسعد‮.. ‬مسافة من الحب

كتب‮: ‬إبراهيم بوسعد
كنت دائم التجوال في‮ ‬سوق المنامة لعلّي‮ ‬أكتشف شيئاً‮ ‬ما له علاقة بالفن،‮ ‬وكان التنقل من المحرق إلى المنامة في‮ ‬فترة الستينات ليس عملية باليسيرة،‮ ‬حيث الباصات الخشب والانتظار ساعات طويلة ليمتلئ الباص ثم‮ ‬يتحرك‮.‬
ومع ذلك أحرص على التردد على المنامة وعمري‮ ‬لا‮ ‬يتجاوز الخمسة عشر عامًا‮. ‬فاكتشفت ثلاث نقاط رئيسية حرصت على الدوام عليها‮: ‬معرض أحمد باقر،‮ ‬مكتبة الطالب،‮ ‬ومعرض عبد الكريم العريض‮.‬
فأول لقاء مع ناصر اليوسف كان من خلال مكتبته‮ (‬مكتبة الطالب‮) ‬حيث كان من أوائل المهتمين باستيراد الأدوات الفنية،‮ ‬ومع ترددي‮ ‬المستمر على المكتبة،‮ ‬ليس لشراء الادوات الفنية بقدر ما كنت مشدودًا وبانبهار لمجموعة من التخاطيط بالأسود والأبيض،‮ ‬وكنت تواقًا أن أرى هذا الفنان عن قرب ولكن لم تسمح حتى الصدف بأن أراه في‮ ‬المكتبة ولو مرّة‮.‬
وبقيت مكتبة الطالب في‮ ‬الذاكرة رغم طول السنين ومازالت رسوم ناصر اليوسف محفورة في‮ ‬ذاكرتي‮ ‬ووجداني‮ ‬مثل صاحبها‮.‬
جمعية الفن المعاصر‮:‬
بعد تخرجي‮ ‬من جامعة بغداد‮ (‬قسم الرسم‮) ‬عام‮ ‬‭,‬1978‮ ‬التحقت بالجمعية ومن خلالها تعرفت عن قرب على ناصر اليوسف،‮ ‬فقبل الحديث عنه وعن متابعتي‮ ‬له ولرسومه من خلال مكتبة الطالب،‮ ‬استقبلني‮ ‬بابتسامة عريضة تنم عن طيبة وتواضع جم وذلك في‮ ‬معرض الجمعية الذي‮ ‬أقيم في‮ ‬فندق دلمون عام‮ ‬1980‮ ‬على ما أعتقد‮.‬
ومن ذلك توطدت علاقتنا وأصبح ناصر اليوسف بالنسبة لي‮ ‬الأب والأخ والصديق الذي‮ ‬كنت أستشيره في‮ ‬كثير من الأمور،‮ ‬وكنا نتحاور في‮ ‬شئون الفن وشجونه،‮ ‬ورغم فارق السن والتفكير كان متجددًا،‮ ‬موسوعة من الثقافة الفنية والحياتية،‮ ‬ووصلنا إلى مرحلة من التجانس تمخض ذلك عن معرض مشترك عن الغزو الصهيوني‮ ‬للبنان‮ ‬‭.‬1982
وهنا‮ ‬يجب الإشارة لإنسانية وموقف ناصر اليوسف بعد أن اعتذر الكثيرون عن المشاركة في‮ ‬هذا المعرض بحجة أن هذا سياسة،‮ ‬فأقدم بو محمود وبكل ثقة على المشاركة في‮ ‬هذا المعرض‮. ‬حيث كانت المعارض المعتادة في‮ ‬تلك الفترة‮ ‬يغلب عليها الطابع البيئي‮.‬
مهرجان أصيلة‮:‬
صدق المثل القائل إذا أردت أن تعرف صديقك جرّبه في‮ ‬السفر،‮ ‬رغم التنقل الدائم من مطار إلى آخر من لندن إلى باريس الى الدار البيضاء وبالعكس‮. ‬أتذكر جيدًا أنه هو الذي‮ ‬كان‮ ‬يتابع إجراءات التنقل والترحال لما‮ ‬يمتلكه من أسلوب في‮ ‬المعاملة وقدرة على التحدث باللغة الانجليزية‮. ‬وبعد استقرارنا في‮ ‬أصيلة والتحاقنا بورشة الحفر نحن الأربعة ناصر اليوسف وعبد الكريم العريض وكامل بركات وابراهيم بوسعد،‮ ‬والتحق اسحاق خنجي‮ ‬بقسم السراميك‮. ‬في‮ ‬بادئ الأمر كان اللقاء في‮ ‬الورشة بالنسبة لي‮ ‬عادياً،‮ ‬حيث إنني‮ ‬درست الحفر في‮ ‬جامعة بغداد وقد رأيت أدوات ومكابس الحفر سابقًا‮.‬
أما ناصر اليوسف فكان المكان بالنسبة له اكتشافاً‮ ‬جديداً‮ ‬بكل المقاييس ومن حسن الصدف كان الأستاذ المشرف على الورشة الفنان السوداني‮ ‬محمد عمر خليل الذي‮ ‬استفاد منه الجميع الكثير‮.‬
وبدأ ناصر اليوسف‮ ‬يتعايش مع خامات ومكابس الحفر حتى قرّر بعد عودتنا إلى البحرين أن‮ ‬يتكفل باستيراد المكابس والخامات الخاصة بالحفر،‮ ‬وفعلاً‮ ‬بعد عودتنا قام بإنجاز المعاملات الخاصة بالاستيراد ووصلت البحرين أربعة مكابس وقطع الزنك‮. ‬ولكن لم تتوفر مادة الطلاء‮ (‬البارنيش‮) ‬ولقد جربنا الكثير منها ولم تكن صالحة‮.‬
وبعد عناء وبحث استنتجه ناصر اليوسف من مادة‮ (‬القار الأسود‮) ‬وخلطه بمادة التربنتاين ثم تسخينه على النار،‮ ‬وقد نجحت التجربة وقد أثمر هذا الجهد عن أول معرض لفن الحفر في‮ ‬البحرين عام‮ ‬1982‮ ‬بمبادرة وجهد شخصي‮ ‬من ناصر اليوسف وبمشاركة عبد الكريم العريض وكامل بركات وإبراهيم بوسعد‮.‬
وبعد المعرض كانت لنا مشاركات متقطعة في‮ ‬مجال الحفر،‮ ‬واستمر ناصر في‮ ‬عطائه حتى بعد أن فقد البصر‮. ‬وقد فتحاً‮ ‬آفاق جديدة لبعض المشتغلين في‮ ‬هذا المجال خارج البحرين‮. ‬فبهذا‮ ‬يعتبر ناصر اليوسف مؤسس ورائد فن الحفر في‮ ‬البحرين إلى جانب ريادته للفن التشكيلي‮ ‬الحديث‮.‬
إنسانيته‮:‬
قلت سابقًا إنه بالنسبة لي‮ ‬ليس صديقًا بل أباً‮ ‬وأخاً‮ ‬واقتربنا أكثر من الناحية الفنية والإنسانية‮. ‬وكان‮ ‬يتحدث بمرارة عن أي‮ ‬تجاوز‮ ‬يحدث في‮ ‬مسيرة الفن التشكيلي‮ ‬ويمتلك بصيرة ثاقبة في‮ ‬طبيعة الأشخاص وأحيانًا‮ ‬يعاتبني‮ ‬ويحذرني‮ ‬وينصحني‮ ‬بأن لا أتمادى في‮ ‬مد‮ ‬يد العون باسم التشجيع واحتضان المواهب‮… ‬أتذكر كلماته‮: ”‬بوسعد إذا كان اختيارك خطأً‮ ‬سيكونون كالخنجر المسموم في‮ ‬خاصرتك قبل خاصرة الفن التشكيلي،‮ ‬فيجب أن تختار صح‮”.‬
لقد كان قلبه على الفن وعلى مسيرته بأن لا‮ ‬يتعرض إلى انتكاسات على‮ ‬يد أناس دخيلين على الفن‮. ‬لقد أسماهم‮ (‬بالطفيليين‮). ‬ولقد صدق رحمه الله،‮ ‬فقد كان اختياري‮ ‬خطأً‮ ‬في‮ ‬خطأ‮.‬
في‮ ‬مساء أحد الأيام اتصل بي‮ ‬متحدثًا عن مفاجأة وأصر على أن أزوره وفعلت‮.‬
أولاً‮: ‬قال انظر إلى هذا المكبس لقد أحضرته من اليابان متوسط الحجم سأنجز عليه لوحات أكبر من السابقة‮.‬
ثانيًا‮: ‬انظر إلى هذا الكناري‮ ‬وهو من الفصائل النادرة وأنوي‮ ‬تفريخه محليًا‮.‬
لم أندهش بذلك لأنني‮ ‬أعرفه شغوفاً‮ ‬بالطيور وأنواعها ويتتبعها علميًا،‮ ‬فمكتبته عامرة بالكتب الفنية والكتب العلمية المتخصصة في‮ ‬الطيور‮.‬
وفي‮ ‬مرسمه إلى جانب لوحاته مقتنيات لفنانين شباب‮ ‬يحرص دومًا على تشجيعهم والوقوف إلى جانبهم‮.‬
لقد سخّر حياته لأسرته وفنه ولم‮ ‬يكترث كثيرًا لتجارته،‮ ‬كان دومًا‮ ‬يتحدث عن الفن وهمومه،‮ ‬لم أسمعه قط تحدث عن امتيازات ومصالح،‮ ‬تعامل مع الفن كقيمة إنسانية راقية‮.‬
فنه‮:‬
يعتبر ناصر اليوسف من جيل الرواد الذين أثروا الحركة التشكيلية بمجموعة كبيرة من اللوحات،‮ ‬وتتميز لوحاته بالنضوج الفكري‮ ‬والتقني‮ ‬وذلك لمرجعيتها الإنسانية والثقافية الخصبة‮.‬
رغم اطلاعه الواسع على الفنون الأوروبية وتحولاتها إلا أنه ظل مخلصاً‮ ‬لانتمائه البيئي،‮ ‬فسخّر كثيراً‮ ‬من الموتيفات التراثية والبيئية في‮ ‬لوحاته‮.‬
أسرته‮:‬
كان شغوفًا بأسرته‮ ‬يحدثني‮ ‬عنهم جميعًا ابتداءً‮ ‬من محمود وانتهاءً‮ ‬بمها التي‮ ‬مازلت أحتفظ بصورة لها مع كتكوت بين ذراعيها‮. ‬مؤكدًا على تربيتهم تربية صالحة معتمدًا على تسلحهم بالعلم والمعرفة والأخلاق الكريمة‮.‬
أتذكر كنت في‮ ‬زيارة له وكنا مجتمعين وسمعت من بعيد صوت‮ ‬يردد أسماء أبنائه كمال‮.. ‬جمال‮.. ‬محمود‮. ‬ثوانٍ‮ ‬حتى دخل صاحب هذا الصوت لأفاجأ بأنها بغبغاء‮. ‬وضحك الجميع من الدهشة التي‮ ‬بانت على وجهي‮.‬
فلم أتخيل أن أقف في‮ ‬يوم‮ ‬17‮/‬6‮/‬2006‮ ‬وجهًا لوجه لتقديم العزاء إلى الأعزاء محمود وكمال وهاني‮ ‬وجمال في‮ ‬فقيدنا وأستاذنا العزيز ناصر اليوسف‮.‬
الذي‮ ‬أسميت ابني‮ ‬ناصر تيمنًا به وبجمال عبد الناص

Al-Watan :: Ebrahim Bu-Sa’ad :: 24 June ’06

Categories
مقالات ناصر اليوسف

نافذة للروح: آخر ما سكن فيه

جعفر الديري

عندما يموت الفنان لا تختفي تحت ملاءته تلك الشفافية التي كانت تميزه والتي كان يرى من خلالها الأشياء بل انها ترتسم قوية على ملامح من حضر موته.

يموت الفنان وأصابعه لا تفتأ تتحرك باحثة عن ريشته فهو لا يموت كما يموت الآخرون بل ان آخر ما يموت فيه أصابعه.

أرأيتم الطفل الصغير ينظر إلى الأشياء من حواليه فلا يتحسسها من دون أن يضعها في فيه، كذلك شأن الفنان الذي يتحسس لغة الأشياء من خلال أصابعه. فكيف لو كان كفيفاً لا يتذكر من الوجود غير صوره وألوانه التي تتراقص أمام ناظريه وكيف لو أنه رأى الوجود رؤيا العين ثم انتقل إلى عالم آخر لا يشعر فيه بالوجود الا من خلال ما تتحسه خيالاته. انه ساعتها يكون محظوظاً لأنه فنان ليس ككل الناس فالأصابع التي طالما قبضت على الوجود براحتيها والتي رسمته على الورق عالماً آخر ستظل وفية له حضرته في حياته وها هي تحضره عند موته.

وناصر اليوسف الذي استظل بالحياة وكان أحد أبنائها البررة الذين أبدعوا فيها وتغنوا بجمالها لم يكن كما هو عهد الآخرين بل كان الرجل العاشق الذي كانت وسيلته لمحبوبته أصابعه حينما تمتد وكأن سحراً يغشاها لتخلق من الورق ما يخلده الزمان.

إن ناصر اليوسف الذي ودعته البحرين الجمعة الماضية كان لا يبرح سجيناً بمحض إرادته في عالمه الذي أسره بألوانه وظلاله ولكن كان حراً في مساحة الحياة التي انطلق فيها فنه الجميل. وما من حي كان يتأمل أصابعه وهي تعقد السحر من الورق، الا وأحس أن ناصر كان على موعد مع كل بديع وجميل. كان السحر يتسرب طريا من بين أصابعه وكأنه كان يختصر الحياة في أشكال وألوان ورؤى لم تبرح مخيلة المحترف البحريني التي دخلها منذ نعومة أظفاره سوسنة تحاول أن تطاول عنان السماء. سوسنة غذاها ليل نهار وسهر عليها حتى استوت نخلة باسقة وتفرعت إلى لوحات حفظتها القلوب قبل العيون في خيوط متموجة من الحكايات والمواويل في فضاء لعب فيه باتقان.

Al-Wasat :: Ja’afar Al-Dairi :: 22 June ’06

Categories
مقالات ناصر اليوسف

بين التراث والمعاصرة كان فتيل تجربة اليوسف

مات وبقيت أصابعه تبحث عن ألوانه
بوسعد: بين التراث والمعاصرة كان فتيل تجربة اليوسف

الوسط – جعفر الديري
يصفه بأنه كان فناناً ملتزماً عاشقاً إلى حد الهوس بالفن.

مبادراً إلى العمل وخلاقاً في انتاجه. فهو ­ والكلام لابراهيم بوسعد ­ كان فناناً أصيلاً لم يسع إلى تحقيق المناصب والمكاسب. ان الحديث مع الفنان ابراهيم بوسعد الذي يعتبر هو الآخر أحد الأسماء الحاضرة بقوة في المشهد التشكيلي البحريني حديث يلتمس إلقاء الضوء على جوانب انسانية كانت تميز المرحوم ناصر اليوسف.

فقد واكب بوسعد تجربة ناصر اليوسف وتعرف عن قرب على مدى الحميمية التي كانت تكتنف قلب الفنان الراحل لفنه. وها قد رحل اليوسف بعد أن ترك وراءه سجلاً فنياً كبيراً خوله أن يكون في صدارة فناني هذا الوطن. وهنا نسكن قليلاً مع هذه الذكريات…

حدثنا بداية عن الخيوط الأولى التي عقدت بينك وبين المرحوم ناصر اليوسف؟

­ بدأت علاقتي بناصر اليوسف من مكتبة الطالب وذلك في الستينات إذ كنت أقف متسمراً أمام بعض التخطيطات بالأسود والأبيض التي كنت مواظبا عليها اسبوعياً وكان عمري وقتها لا يتجاوز خمسة عشر عاماً. ولكن لسوء الحظ لم ألتق ناصر ولو مصادفة. ولكن بعد تخرجي العام 1987 في جامعة بغداد والتحاقي عضوا بجمعية الفن المعاصر أقيم معرض للجمعية في فندق دلمون ومن محاسن الصدف أني وجدت هناك الفنان الكبير ناصر اليوسف الذي تقدم وصافحني بابتسامة عريضة سأظل أتذكرها ما حييت. ومنذ تلك اللحظة توطدت علاقتي باليوسف لأكتشف يوما بعد يوم طيبة هذا الرجل ودماثة خلقه وهوسه بالفن إلى حد العشق.

إنسان كبير

ما لاحظناه وجود موجة عامة من الألم والحزن لفراق ناصر اليوسف، فهل كان اليوسف انسانا كبيرا إلى جانب كونه فنانا متميزا؟

­ لقد كان ناصر اليوسف انساناً كبيراً قبل أن يكون أيضاً فناناً كبيراً، فقد كان كبيرا في أخلاقياته ودماثة خلقه. وقد عرفته جميل المعشر محتضنا المواهب وكان الفن هاجسه الحقيقي اذ كان متطورا فكريا وتقنيا ويمتلك ثقافة فنية وحياتية واسعة أهلته لأن يغامر كثيرا في التعامل مع سطح اللوحة ليكتشف تقنيات مغايرة للسائد. والمتتبع لانتاجه يكتشف السطوح البارزة والنافرة مع استخدام مواد مغايرة للمواد السائدة في تلك الفترة. وهذا ملاحظ في لوحته «القط والطائر» التي تعتبر من أهم لوحاته ومنعطفاً ايجابياً في حياته.

هل لك أن توضح لنا الانجاز الكبير الذي خول ناصر اليوسف تسنم هذه المنزلة الكبيرة؟

­ في تصوري ان ناصر اليوسف من أهم الفنانين وذلك لما يمتلكه من مخزون ثقافي فني انساني فهو لم يقتصر حضوره على مرحلة من دون أخرى. وانما كان فنانا متجددا باحثا، يتميز بالصدق في التعامل مع العمل الفني فلو نظرنا إلى مراحله الفنية لوجدنا احساسا متدفقا ومشاعر انسانية مصدرها الوحيد المحيط الواقعي الذي يعيشه. فأهمية ناصر اليوسف تقع في معادلة صعبة وهي التراث والمعاصرة اللذين استطاع ناصر أن يقدمهما على أحسن شكل.

ظاهرة فنية

وهل تقف مع من يقول ان ناصر اليوسف يعد ظاهرة فنية تستحق الدراسة؟ وهل تراه عبقرياً في رسمه على رغم اصابته بالعمى؟

­ نعم ناصر اليوسف ظاهرة فنية، فهو ظاهرة فنية أخلاقية ملتزمة بتقديم فن صادق عن طريق ملكة البصيرة بعد فقدان البصر. وقد كنت في زيارة لمعرضه الأخير الذي أقامه في صالة البارح. وكان بصحبتي الفنان والناقد التشكيلي أسعد عرابي وكنت حريصاً على أن يرى لوحات ناصر اليوسف إذ وقف بانبهار أمام بعض لوحاته وهو يحللها ويثني على البساطة والعمق اللذين فيها. وبعد أن أخذ جولة في المعرض أخبرته بأن هذا الفنان كفيف فبانت الدهشة على وجهه. وبعدها كنت حريصاً جداً على أن يسمع ناصر وجهة نظر أسعد عرابي في أعماله، وقد اتصلت به مباشرة وحدثه أسعد عن دهشته بهذه الأعمال. وكنت حريصاً على هذه المكالمة لأنه كلما سألني ناصر عن لوحاته ورأيي فيها كنت أقول له ان لوحاته رائعة وكان يعتقد أني كنت أجامله. لذلك أقولها بكل فخر واعتزاز ان ناصر اليوسف ظاهرة فنية قبل المرض وبعده.

وكيف تعوض برأيك الدولة والمؤسسات الرسمية التهميش الذي واجهه ناصر اليوسف وغيره من الفنانين؟

­ إن ناصر اليوسف تجربة مهمة جدا يجب الحفاظ عليها. فناصر لم يؤثر في فقط وانما انجب من الأبناء البررة محمود وجمال وكمال وهاني وعبير ومهمتنا ومهمتهم الآن الحفاظ على تراثه الانساني وتقديمه بأحسن وجه. إلى جانب اهتمام الدولة بهذا التراث بالتنسيق مع أبنائه، فناصر اليوسف كان فنانا أصيلاً لم يسع إلى تحقيق المناصب والمكاسب بل كان مخلصاً لفنه وتراثه.

Al-Wasat :: Ja’afar Al-Dairi :: 22 June ’06

Categories
مقالات ناصر اليوسف

اليوسف… المنتصر على البصر بنور التشكيل

عبدالله يوسف*
ناصر اليوسف

.. الفنان التشكيلي الذي حين كُفّ بصره تحدى الظلام بمزيد من نور التشكيل، وذلك في حدّ حدوثه دلالة باهرة لملكة إبداعية تحدت خذلان أهم حاسة تسعفها على الإطلاق لرؤية أشياء الحياة كي تحيلها لوحات تشكيلية نابضة بالتعبير وبالزخم وبالجمال والقوة… وهو هنا يتماهى مع حال أخرى فريدة تمثلت في الموسيقار العبقري فان بيتهوفن، الذي أبدع أروع موسيقاه حين غادرته حاسة السمع إلى الأبد.

كان السمع والبصر ملء ناصر اليوسف، وكان هو تشكيلياً مختلفاً عن سرب التشكيليين في بلاغة الفكرة وتقنية التعبير وخامات الفن ودلالات التعبير… ولأنه كذلك فقد فرض تحديه على ظلام دامس ونازله في عقر عينه، فناوش سطوته وشاغب هيمنته واخترق سواده واستثمر لونه في إنجاز كمّ هائل من الأعمال التشكيلية التي ­ في ظني ­ أنها بمثابة سيرة حياة أو مذكرات حياة الفنان المرحوم ناصر اليوسف… كأنه كان يريد أن يوصل لنا نحن التشكيليين زملاءه، أن السواد السرمدي في مقلة العين ­ هو في واقع التجربة الحية المريرة ­ لون أخاذ طالما تهربنا من وضعه على حوامل ألواننا بحيث ان عبوته تظل غالباً متخمة به عن آخرها، ويظل هو في علبة الألوان سميناً بين عبوات عجاف عصرنا ألوانها عن آخرها في لوحاتنا… إنه الدرس الأبلغ والأهم بالنسبة إليّ في مفاهيمي المتعددة لمعاني الفنون التشكيلية في الرسم والتصوير.

لقد دأبنا نحن الذين أحببناه دوماً على مناداته بأستاذ ناصر، ليس فقط لأنه يفوقنا سناً وتجربة فن وحياة، بل لأنه يبزُنا دوماً في صوغ الأفكار والدلالات الفنية والتعبيرية… وقد علا في أستاذيته الإنسانية والتشكيلية حين استفرد السواد بناظريه فكفهما عن بقية الألوان ليستأثر بريشته المبدعة.

أراه في لوحته الآسرة الخالدة (الانتظار) حيث القط متربصاً بعصفور يقطن مرغماً قفصاً… الاثنان أسيران عند الوقت والترقب وعند اللحظة الوشيكة أو البعيدة، أو التي ستأتي أو لا تأتي… تلك اللوحة هي ناصر اليوسف ونحن معه… رسمها ربما فيما توحي به من دلالة، وفق تنبؤ مستقبلي قادم في الزمن… هل هي خيانة البصر للعين؟ أم هي الإعياء العضال حين يستبد بالجسد بعد يأسه من تفتيت صلابة النفسية المفعمة بطاقة التشكيل وعنفوانها؟… أم هي الزمن حين يقتص ممن لا يأبهون بجوره؟، أم هي العقاب المنذور لنا كوننا أدمنا الفنون والثقافة؟

ناصر اليوسف… يكفيه شرفاً ونُبلاً، ويكفينا فخراً به أنه ببصيرة بليغة دون بصر، قد ناكف هذا الزمن الموحش الأغبر، واسترسل في الصوغ التشكيلي، ربما ليقول لنا جميعاً: انتبهوا أيها المحبون… مازلت أرسم، ومازالت «الغِبِّه» تستفرد بي، ومازلت أتجرع «الشِيصْ»،

* فنان بحريني متعدد المواهب

Al-Wasat :: Abdulla Yousif :: 22 June ’06

Categories
مقالات ناصر اليوسف

كان رقيقاً وشديد التأثر بالأشياء

عبدالكريم العريض*
تعرفت على ناصر اليوسف لأول مرة في المدرسة الغربية الابتدائية إذ كانت أول تجربة لي في التدريس.

في تلك الفترة في العام 1954 طلب مني القيام بتأسيس لجنة للفنون الجميلة في المدرسة فاخترت مجموعة الأعضاء من التلاميذ الذين يتميزون بملكة الفن التشكيلي وكان منهم إلى جانب اليوسف راشد سوار ونجيب أصغر مع عدد من التلاميذ إذ كونت منهم أول جمعية للفن في المدرسة. ومنذ تلك الفترة وأنا أشعر أن ناصر كانت عنده ميول خصوصا في التشكيل إذ كان يحاول أن يكون استقلالية في الرسم عن طريق اختيار الموضوعات. ومرت الأيام وذهب ناصر إلى المدرسة الثانوية وبدأنا بتأسيس الجمعيات التشكيلية فأسسنا ندوة الفن والأدب ومن ثم أسرة هواة الفن وكان ناصر مشاركا في أسرة هواة الفن إذ أخذ يمارس الفن التشكيلي في الجمعية وكنت المسئول عن الفن في هذه الجمعية. إذ أسست أول مرسم في المنامة 1961 وكان من أعضائه ناصر اليوسف، عبدالكريم البوسطة، راشد العريفي وراشد سوار. وشهدت هذه الفترة تأسيس مجموعة من الفنانين لجماعة فناني البحرين اذ كان عددهم ثمانية فنانين اذ وضعنا لنا برنامج فكنا نذهب إلى القرى والمناطق البعيدة ونرسم المناظر الطبيعية في البحرين. وأقمنا بتلك الأعمال معارض في «برتش كونسل» في الستينات ونادي بابكو.

في العام 1968 اقترحت شركة كرازن للسجائر اقامة معرض لفناني الشرق الأوسط وكان معرضا عالميا متنقلا يقام في البحرين ومن ثم إلى القاهرة ومن ثم إلى بيروت وباريس ولندن وكانت البحرين مشاركة في هذا المعرض وكان ناصر قد عرض عدة لوحات في المعرض وكانت لوحات غريبة بدأ فيها خط ناصر بالتميز خلال اختياره مساحة اللوحة إذ كان طول اللوحة يفوق عرضها بثمانية أضعاف وكان العمل شارعاً طويلاً وهو شارع الشيخ عبدالله وكان الرسم بالزيت باستخدام السكين وكانت من الأعمال التي بيعت في المعرض ومن الأعمال التي حظيت بالاشادة.

أيام السبعينات كنت أخرج مع ناصر عصر كل يوم لنرسم موضوعات كثيرة بالقلم الرصاص. وكنت أعمل في تلك الفترة بطاقات معايدة بالحبر الصيني اذ كنت أرسم مناظر طبيعية فصادفت رواجا كبيرا عند الأجانب فقام ناصر بعمل تلك البطاقات أيضا اذ كانت ذات تأثير على بقية الفنانين الذين اتخذوا المنحى نفسه فأصبحت تلك البطاقات مما يتميز بها التشكيليون في البحرين.

وعندما أنشأنا جمعية الفن المعاصر كان ناصر أحد الأعضاء الأوائل وساهم مساهمة جيدة في الجمعية وفي العام 1979 عندما أقيمت الانتخابات في الجمعية انتخب رئيسا للجمعية. وفي العام 1981 بدأنا نقيم معارض خارج البحرين وكان ناصر من الأعضاء المشاركين في تلك المعارض. وفي هذه الفترة سافر ناصراليوسف إلى مصر وتعرف على الكثير من الفنانين ومنهم الفنان السجيني الذي كان شديد التأثير عليه اذ أخذ منه ناصر الاسلوب الشعبي أو فن البحارة إذ يأتي بقصة معينة وينطلق منها في بعض أعمال تشكيلية ولو رجعنا إلى مقال كتبه في السجل الفني لجمعية الفن المعاصر لوجدنا فيه اضاءة على تجربته تلك. اذ كانت في تلك الفترة باكورة أعماله في الاسلوب الذي تميز به وعندما سافرنا إلى المغرب إلى موسم أصيلة تعرفنا هناك على فنانين يعملون في الجرافيك وفي العام 1982 أقمنا معرضا خاصا في العام 1982 في نادي الخريجين مع أربعة فنانين إذ عرض ناصر أعمالاً بالحفر على الجرافيك بدأ منها التميز في هذا اللون.

حتى العام 1984 كان ناصر يعمل بجد من دون ان يشكو من عينيه ولكن في العام 1984 وما بعدها بدأ يشكو من عينيه حين بدأ نظره بالضعف تدريجيا حتى فقد بصره بعد معاناة مع المرض واجراء العمليات. وكان ناصر رقيقا الشعور وكان انطباعيا شديد التأثر بالأشياء وكل ما وصل اليه كان بسبب تقبله التعلم وكانت هذه ملكة لمحتها فيه منذ أن كان تلميذا واستمرت فيه تلك الملكة إذ تعلم الكثير من رحلاته إلى العراق ومسقط والسعودية ولندن وكان دائبا على تقبل المعرفة وتطبيقها على أعماله.

من رواد الحركة التشكيلية البحرينية

Al-Wasat :: 22 June ’06