ناصر اليوسف في غياب البصر وحضور البصيرة

«البحرين الثقافية» تحتفي برائد المدرسة التعبيرية
الوقت – حسين مرهون:

لم يكن الفنان ناصر اليوسف، وحتى وفاته في العام الماضي، يملك الكثير من البصر، ولكن الثابت أنه كان يملك الكثير من البصيرة. وحديثاً، تذكرت إحدى الدوريات الثقافية المحلية هذه الحكمة، فحجزت له مساحة الملف الرئيس بين صفحاتها. (البحرين الثقافية)
ويغطي الملف الذي جاء في 30 صفحة حياة اليوسف، من خلال 8 شهادات تناوب على كتابتها فنانون بحرينيون وعرب، وهو من إعداد الزميل عباس يوسف.
وكتب أسعد عرابي، وهو لبناني مقيم في باريس وباحث في علم الجمال منتقداً موقف بعض الفنانين من أعمال اليوسف ‘’يقع سوء فهم أعماله خلف استضعاف إعاقته بطريقة عنصرية، أو إثارة الشفقة على مصابه’’، مضيفاً ‘’نادرون الذين استطاعوا أن يجردوا العمل الفني من مشكلة صاحبه، لذلك سبق التقدير الخارجي الاعتراف المحلي’’.
وتابع موضحاً ‘’تكريمه في بينالي الشارقة العام 1996 سبق جائزة الدانة في المعرض السنوي العام’’ على حد تعبيره.
وولد الفنان ناصر اليوسف في فريق ‘’الحياييج’’ في المحرق العام ,1940 وهو يعد واحداً من رواد ومؤسسي الاتجاه التعبيري الحديث في البحرين. أقام الكثير من المعارض الشخصية واشترك في الكثير من المعارض الجماعية في البحرين ودول عربية وأوربية كما حصل على الكثير من الجوائز، وذلك قبل أن توافيه المنية في يوليو/ تموز العام الماضي.
وقال عرابي ‘’لم أخفِ حماستي لأعماله، مما سبب حساسية لدى عدد قليل من الزملاء المتعصبين للنموذج الغربي حيث درسوا’’، معتبراً أنه ‘’هنا نصطدم بالمشكلة المزمنة من سوء الفهم الذي يعانيه أمثال ناصر اليوسف مع موجة التثاقف التي تدعي المعاصرة والحدث’’.
وخلص إلى القول ‘’يرجع تأخر الاعتراف به إلى إفلاته من حساسية من تملّكَهم سلطان التقنية، وسطوة العقل والسهولة التغريبية’’، مستدركاً ‘’في حين أن كشوفاته تعتمد على الحيرة الوجودية’’ حسب تعبيره.
من جهته، رأى محمد العامري، وهو فنان وناقد تشكيلي من الأردن، أن لوحات اليوسف ‘’تسجل تاريخين، تاريخ العين المبصرة وتاريخ البصيرة في غياب البصر’’، موضحاً ‘’في مرحلة الإبصار كان الأكثر قصدية في أعماله كونه يعرف ما يذهب إليه في رسمه للأشكال الآدمية والعمائر التي بدت متلاحمة’’. وأضاف ‘’في مرحلة فقدان البصر وإشعاع البصيرة نرى أن أشكال الناس والبيوتات عنده صارت مفرغة إلا من الإيضاحات الخطوطية’’، عازياً ذلك إلى علاقته ‘’بالصورة المخزنة من أيام الإبصار، وبتثوير حاسة اللمس من باب التغلب على عدم الرؤية’’ حسب تعبيره.
يشار هنا إلى أنه، ومنذ فقدانه إلى حاسة البصر، اعتمد الفنان في تنفيذ أعماله على الورق والحفر، حيث يقوم في بداية الأمر بقطع الشكل المطلوب من الورق بواسطة المقص ومن ثم يضع هذا الشكل على قطع خشبية ويبدأ حفرها للوصول للشكل المطلوب بواسطة اللمس وصولا إلى طباعة الشكل المحفور على الورق فتظهر في الأخير لوحة تشكيلية واضحة.
وتابع العامري موضحاً ‘’أصبح يرى بخمس أعين بدلاً من العينين، أصبح كما لو أنه كائن تركز في منطقة النحت الملموس، فكان اللمس وسيلة التلذذ بما يفعل ليقدم قيماً أكثر فنية في التعبير وأكثر تأثيراً على المشاهد’’.

وفي شهادة فاروق يوسف، وهو ناقد وشاعر عراقي مقيم في السويد، كتب يقول ‘’كان مصراً على فعل الرؤية. ولأن الرسم يتطلب النظر، فإن ناصر اليوسف كان يرى بطريقته. وهي طريقة قد تحتمل الخطأ مثلما يحدث لنا جميعاً’’.
ورأى أن ‘’البحث عن أخطاء اليد في رسوم اليوسف إنما يعد فعلاً عبثياً’’، موضحاً ‘’فيده التي تفكر إنما تخترع فضاءً صورياً مختلفاً عما نراه ونتوقع رؤيته’’ على حد تعبيره.
وأضاف ‘’اخترع ناصر اليوسف من خلال رسومه سبلاً جديدة للعيش (…)، لذته تكمن في أنه يخترع رؤى من شأنها أن تتحول إلى مرئيات تصبح جزءاً من حياة معاشة’’. وعرف اليوسف بتمرده على أشكال الفن الجاهزة، وشهدت تجربته في أعقاب زيارة له إلى المغرب برفقة الفنانين إبراهيم بوسعد وعبدالكريم العريض وعبدالكريم البوسطة مطلع الثمانينات، (شهدت) انتقالاً من التشكيل إلى فن الحفر والطباعة. وقبل ذلك في العام ,1970 أسهم مع علي عبدالله خليفة في تأسيس شكل جديد للكتاب الشعري، حين طلب منه الأخير معادلة الشعر باللوحة لديوان (عطش النخيل) الصادر العام ,1970 حيث كانت هذه التجربة من التجارب الأولى لشكل جديد لكتب الشعر.
إلى ذلك، اشتمل ملف ‘’البحرين الثقافية’’ على شهادات أخرى لفنانين من البحرين عاصروا اليوسف، وهم عبدالله يوسف وعبدالجبار الغضبان وإبراهيم بوسعد وعباس يوسف، وتميزت جميعها بسرد محطات من السيرة الذاتية جمعت هؤلاء مع الفنان

Al-Waqt :: 6 February, 2007 – Download original pdf page.

نافذة للروح – في العتمة حيّاً وميّتاً،

في غمرة الحزن والأسى على فقدان فنان ورائد من رواد التشكيل في البحرين لا يمكنك أن تلوم الناس أو المهتمين عندما لا يبدون سوى الحزن والألم. ولكن عندما تخف حدة وطأة الخبر وتهدأ النفوس مما علق بها وتثوب إلى رشدها وتتبصر طريقها فهي معنية الآن بتلمس الاجابة على كثير من الأسئلة المرة. لأنها ببساطة ظلت تطرح طوال سنوات وسنوات مع موت أي فنان من دون أن تلقى اجابة شافية يمكنها التعويل عليها. فهل هو قدر مكتوب أن يموت الفنان مهمشا في حياته وبعد موته؟ وهل هو قدر الفنان أن يبدي الجميع الحزن عليه من دون أن يترجم هذا الحب إلى واقع؟

مات ناصر اليوسف وانتقل إلى رحمة ربه تعالى. ولكن حتى هذه الساعة لم تحرك أي من الجهات الرسمية والخاصة ساكنا عدا الصحافة المحلية التي لم تقصر في ابراز عطاء الراحل واستطلاع آراء المهتمين والمحبين وان كان غالبية ما نشر لم يخرج عن حدود الألم والتقدير. ولولا تأكيد أحد أبناء الراحل الكبير وهو باسم الناصر أن أبناء المرحوم بصدد انشاء متحف يحوي أعمال والدهم وذكرياته لما كان هناك شيء يذكر على أرض الواقع يحتفي باسم كبير مثل ناصر اليوسف.

هل نوجه أصابع الاتهام إلى جهة من دون غيرها؟ ليس من حقنا ذلك. ولكن نقول بحب كان يمكن للجمعيات الفنية التي شارك اليوسف في تأسيسها الاعلان مثلا عن معرض كبير تعرض فيه أعمال اليوسف. أو حتى إعداد ورشة تتناول جوانب من حياة وابداعات اليوسف أو إعداد كتيب عنه على أقل تقدير. فطالما سمعنا ممن عاصر واقترن اسمه من الفنانين بناصر اليوسف الدعوة إلى الاهتمام به وبأعماله لكن بقيت مجرد كلمات لا غير. فهل تعجز الجمعيات الفنية عن اسبوع فني تلقي فيه الأضواء على تجربة اليوسف الثرية؟

ثم ما حكاية ألم الفنانين الشباب لفقدان هذا الفنان الكبير وكلماتهم التي تقطر أسىً في حين أنك لو توجهت اليهم بالسؤال عما هم فاعلون تأكيداً للمنزلة الكبيرة للفقيد في نفوسهم لقالوا إنهم لا يملكون شيئا من ذلك لأنهم فنانون شباب والعقد والحل بيد الفنانين الكبار. هل تعجزون أيها الأحبة عن الاتفاق مع أي من الجمعيات الكثيرة في البحرين من أجل العمل على معرض أو ندوة أو غيرها كدليل على حبكم وتقديركم لما قدمه اليوسف؟ تذكروا أنكم ستحتاجون يوما إلى شيء من هذا الضوء. فلا أحد يحب البقاء في العتمة. وهل تصرون على أن يكون دوركم سلبيا كما هو شأن الجهات الرسمية في الدولة التي لم تكلف نفسها مقدار ساعة واحدة في التلفزيون أو الاذاعة تعرض فيها للناصر استطلاعاً أو تحقيقاً مصوراً؟،

Al-Wasat :: Ja’afar Al-Dairy :: 29 June ’06

بين ناصر اليوسف وابراهيم بوسعد‮.. ‬مسافة من الحب

كتب‮: ‬إبراهيم بوسعد
كنت دائم التجوال في‮ ‬سوق المنامة لعلّي‮ ‬أكتشف شيئاً‮ ‬ما له علاقة بالفن،‮ ‬وكان التنقل من المحرق إلى المنامة في‮ ‬فترة الستينات ليس عملية باليسيرة،‮ ‬حيث الباصات الخشب والانتظار ساعات طويلة ليمتلئ الباص ثم‮ ‬يتحرك‮.‬
ومع ذلك أحرص على التردد على المنامة وعمري‮ ‬لا‮ ‬يتجاوز الخمسة عشر عامًا‮. ‬فاكتشفت ثلاث نقاط رئيسية حرصت على الدوام عليها‮: ‬معرض أحمد باقر،‮ ‬مكتبة الطالب،‮ ‬ومعرض عبد الكريم العريض‮.‬
فأول لقاء مع ناصر اليوسف كان من خلال مكتبته‮ (‬مكتبة الطالب‮) ‬حيث كان من أوائل المهتمين باستيراد الأدوات الفنية،‮ ‬ومع ترددي‮ ‬المستمر على المكتبة،‮ ‬ليس لشراء الادوات الفنية بقدر ما كنت مشدودًا وبانبهار لمجموعة من التخاطيط بالأسود والأبيض،‮ ‬وكنت تواقًا أن أرى هذا الفنان عن قرب ولكن لم تسمح حتى الصدف بأن أراه في‮ ‬المكتبة ولو مرّة‮.‬
وبقيت مكتبة الطالب في‮ ‬الذاكرة رغم طول السنين ومازالت رسوم ناصر اليوسف محفورة في‮ ‬ذاكرتي‮ ‬ووجداني‮ ‬مثل صاحبها‮.‬
جمعية الفن المعاصر‮:‬
بعد تخرجي‮ ‬من جامعة بغداد‮ (‬قسم الرسم‮) ‬عام‮ ‬‭,‬1978‮ ‬التحقت بالجمعية ومن خلالها تعرفت عن قرب على ناصر اليوسف،‮ ‬فقبل الحديث عنه وعن متابعتي‮ ‬له ولرسومه من خلال مكتبة الطالب،‮ ‬استقبلني‮ ‬بابتسامة عريضة تنم عن طيبة وتواضع جم وذلك في‮ ‬معرض الجمعية الذي‮ ‬أقيم في‮ ‬فندق دلمون عام‮ ‬1980‮ ‬على ما أعتقد‮.‬
ومن ذلك توطدت علاقتنا وأصبح ناصر اليوسف بالنسبة لي‮ ‬الأب والأخ والصديق الذي‮ ‬كنت أستشيره في‮ ‬كثير من الأمور،‮ ‬وكنا نتحاور في‮ ‬شئون الفن وشجونه،‮ ‬ورغم فارق السن والتفكير كان متجددًا،‮ ‬موسوعة من الثقافة الفنية والحياتية،‮ ‬ووصلنا إلى مرحلة من التجانس تمخض ذلك عن معرض مشترك عن الغزو الصهيوني‮ ‬للبنان‮ ‬‭.‬1982
وهنا‮ ‬يجب الإشارة لإنسانية وموقف ناصر اليوسف بعد أن اعتذر الكثيرون عن المشاركة في‮ ‬هذا المعرض بحجة أن هذا سياسة،‮ ‬فأقدم بو محمود وبكل ثقة على المشاركة في‮ ‬هذا المعرض‮. ‬حيث كانت المعارض المعتادة في‮ ‬تلك الفترة‮ ‬يغلب عليها الطابع البيئي‮.‬
مهرجان أصيلة‮:‬
صدق المثل القائل إذا أردت أن تعرف صديقك جرّبه في‮ ‬السفر،‮ ‬رغم التنقل الدائم من مطار إلى آخر من لندن إلى باريس الى الدار البيضاء وبالعكس‮. ‬أتذكر جيدًا أنه هو الذي‮ ‬كان‮ ‬يتابع إجراءات التنقل والترحال لما‮ ‬يمتلكه من أسلوب في‮ ‬المعاملة وقدرة على التحدث باللغة الانجليزية‮. ‬وبعد استقرارنا في‮ ‬أصيلة والتحاقنا بورشة الحفر نحن الأربعة ناصر اليوسف وعبد الكريم العريض وكامل بركات وابراهيم بوسعد،‮ ‬والتحق اسحاق خنجي‮ ‬بقسم السراميك‮. ‬في‮ ‬بادئ الأمر كان اللقاء في‮ ‬الورشة بالنسبة لي‮ ‬عادياً،‮ ‬حيث إنني‮ ‬درست الحفر في‮ ‬جامعة بغداد وقد رأيت أدوات ومكابس الحفر سابقًا‮.‬
أما ناصر اليوسف فكان المكان بالنسبة له اكتشافاً‮ ‬جديداً‮ ‬بكل المقاييس ومن حسن الصدف كان الأستاذ المشرف على الورشة الفنان السوداني‮ ‬محمد عمر خليل الذي‮ ‬استفاد منه الجميع الكثير‮.‬
وبدأ ناصر اليوسف‮ ‬يتعايش مع خامات ومكابس الحفر حتى قرّر بعد عودتنا إلى البحرين أن‮ ‬يتكفل باستيراد المكابس والخامات الخاصة بالحفر،‮ ‬وفعلاً‮ ‬بعد عودتنا قام بإنجاز المعاملات الخاصة بالاستيراد ووصلت البحرين أربعة مكابس وقطع الزنك‮. ‬ولكن لم تتوفر مادة الطلاء‮ (‬البارنيش‮) ‬ولقد جربنا الكثير منها ولم تكن صالحة‮.‬
وبعد عناء وبحث استنتجه ناصر اليوسف من مادة‮ (‬القار الأسود‮) ‬وخلطه بمادة التربنتاين ثم تسخينه على النار،‮ ‬وقد نجحت التجربة وقد أثمر هذا الجهد عن أول معرض لفن الحفر في‮ ‬البحرين عام‮ ‬1982‮ ‬بمبادرة وجهد شخصي‮ ‬من ناصر اليوسف وبمشاركة عبد الكريم العريض وكامل بركات وإبراهيم بوسعد‮.‬
وبعد المعرض كانت لنا مشاركات متقطعة في‮ ‬مجال الحفر،‮ ‬واستمر ناصر في‮ ‬عطائه حتى بعد أن فقد البصر‮. ‬وقد فتحاً‮ ‬آفاق جديدة لبعض المشتغلين في‮ ‬هذا المجال خارج البحرين‮. ‬فبهذا‮ ‬يعتبر ناصر اليوسف مؤسس ورائد فن الحفر في‮ ‬البحرين إلى جانب ريادته للفن التشكيلي‮ ‬الحديث‮.‬
إنسانيته‮:‬
قلت سابقًا إنه بالنسبة لي‮ ‬ليس صديقًا بل أباً‮ ‬وأخاً‮ ‬واقتربنا أكثر من الناحية الفنية والإنسانية‮. ‬وكان‮ ‬يتحدث بمرارة عن أي‮ ‬تجاوز‮ ‬يحدث في‮ ‬مسيرة الفن التشكيلي‮ ‬ويمتلك بصيرة ثاقبة في‮ ‬طبيعة الأشخاص وأحيانًا‮ ‬يعاتبني‮ ‬ويحذرني‮ ‬وينصحني‮ ‬بأن لا أتمادى في‮ ‬مد‮ ‬يد العون باسم التشجيع واحتضان المواهب‮… ‬أتذكر كلماته‮: ”‬بوسعد إذا كان اختيارك خطأً‮ ‬سيكونون كالخنجر المسموم في‮ ‬خاصرتك قبل خاصرة الفن التشكيلي،‮ ‬فيجب أن تختار صح‮”.‬
لقد كان قلبه على الفن وعلى مسيرته بأن لا‮ ‬يتعرض إلى انتكاسات على‮ ‬يد أناس دخيلين على الفن‮. ‬لقد أسماهم‮ (‬بالطفيليين‮). ‬ولقد صدق رحمه الله،‮ ‬فقد كان اختياري‮ ‬خطأً‮ ‬في‮ ‬خطأ‮.‬
في‮ ‬مساء أحد الأيام اتصل بي‮ ‬متحدثًا عن مفاجأة وأصر على أن أزوره وفعلت‮.‬
أولاً‮: ‬قال انظر إلى هذا المكبس لقد أحضرته من اليابان متوسط الحجم سأنجز عليه لوحات أكبر من السابقة‮.‬
ثانيًا‮: ‬انظر إلى هذا الكناري‮ ‬وهو من الفصائل النادرة وأنوي‮ ‬تفريخه محليًا‮.‬
لم أندهش بذلك لأنني‮ ‬أعرفه شغوفاً‮ ‬بالطيور وأنواعها ويتتبعها علميًا،‮ ‬فمكتبته عامرة بالكتب الفنية والكتب العلمية المتخصصة في‮ ‬الطيور‮.‬
وفي‮ ‬مرسمه إلى جانب لوحاته مقتنيات لفنانين شباب‮ ‬يحرص دومًا على تشجيعهم والوقوف إلى جانبهم‮.‬
لقد سخّر حياته لأسرته وفنه ولم‮ ‬يكترث كثيرًا لتجارته،‮ ‬كان دومًا‮ ‬يتحدث عن الفن وهمومه،‮ ‬لم أسمعه قط تحدث عن امتيازات ومصالح،‮ ‬تعامل مع الفن كقيمة إنسانية راقية‮.‬
فنه‮:‬
يعتبر ناصر اليوسف من جيل الرواد الذين أثروا الحركة التشكيلية بمجموعة كبيرة من اللوحات،‮ ‬وتتميز لوحاته بالنضوج الفكري‮ ‬والتقني‮ ‬وذلك لمرجعيتها الإنسانية والثقافية الخصبة‮.‬
رغم اطلاعه الواسع على الفنون الأوروبية وتحولاتها إلا أنه ظل مخلصاً‮ ‬لانتمائه البيئي،‮ ‬فسخّر كثيراً‮ ‬من الموتيفات التراثية والبيئية في‮ ‬لوحاته‮.‬
أسرته‮:‬
كان شغوفًا بأسرته‮ ‬يحدثني‮ ‬عنهم جميعًا ابتداءً‮ ‬من محمود وانتهاءً‮ ‬بمها التي‮ ‬مازلت أحتفظ بصورة لها مع كتكوت بين ذراعيها‮. ‬مؤكدًا على تربيتهم تربية صالحة معتمدًا على تسلحهم بالعلم والمعرفة والأخلاق الكريمة‮.‬
أتذكر كنت في‮ ‬زيارة له وكنا مجتمعين وسمعت من بعيد صوت‮ ‬يردد أسماء أبنائه كمال‮.. ‬جمال‮.. ‬محمود‮. ‬ثوانٍ‮ ‬حتى دخل صاحب هذا الصوت لأفاجأ بأنها بغبغاء‮. ‬وضحك الجميع من الدهشة التي‮ ‬بانت على وجهي‮.‬
فلم أتخيل أن أقف في‮ ‬يوم‮ ‬17‮/‬6‮/‬2006‮ ‬وجهًا لوجه لتقديم العزاء إلى الأعزاء محمود وكمال وهاني‮ ‬وجمال في‮ ‬فقيدنا وأستاذنا العزيز ناصر اليوسف‮.‬
الذي‮ ‬أسميت ابني‮ ‬ناصر تيمنًا به وبجمال عبد الناص

Al-Watan :: Ebrahim Bu-Sa’ad :: 24 June ’06

نافذة للروح: آخر ما سكن فيه

جعفر الديري

عندما يموت الفنان لا تختفي تحت ملاءته تلك الشفافية التي كانت تميزه والتي كان يرى من خلالها الأشياء بل انها ترتسم قوية على ملامح من حضر موته.

يموت الفنان وأصابعه لا تفتأ تتحرك باحثة عن ريشته فهو لا يموت كما يموت الآخرون بل ان آخر ما يموت فيه أصابعه.

أرأيتم الطفل الصغير ينظر إلى الأشياء من حواليه فلا يتحسسها من دون أن يضعها في فيه، كذلك شأن الفنان الذي يتحسس لغة الأشياء من خلال أصابعه. فكيف لو كان كفيفاً لا يتذكر من الوجود غير صوره وألوانه التي تتراقص أمام ناظريه وكيف لو أنه رأى الوجود رؤيا العين ثم انتقل إلى عالم آخر لا يشعر فيه بالوجود الا من خلال ما تتحسه خيالاته. انه ساعتها يكون محظوظاً لأنه فنان ليس ككل الناس فالأصابع التي طالما قبضت على الوجود براحتيها والتي رسمته على الورق عالماً آخر ستظل وفية له حضرته في حياته وها هي تحضره عند موته.

وناصر اليوسف الذي استظل بالحياة وكان أحد أبنائها البررة الذين أبدعوا فيها وتغنوا بجمالها لم يكن كما هو عهد الآخرين بل كان الرجل العاشق الذي كانت وسيلته لمحبوبته أصابعه حينما تمتد وكأن سحراً يغشاها لتخلق من الورق ما يخلده الزمان.

إن ناصر اليوسف الذي ودعته البحرين الجمعة الماضية كان لا يبرح سجيناً بمحض إرادته في عالمه الذي أسره بألوانه وظلاله ولكن كان حراً في مساحة الحياة التي انطلق فيها فنه الجميل. وما من حي كان يتأمل أصابعه وهي تعقد السحر من الورق، الا وأحس أن ناصر كان على موعد مع كل بديع وجميل. كان السحر يتسرب طريا من بين أصابعه وكأنه كان يختصر الحياة في أشكال وألوان ورؤى لم تبرح مخيلة المحترف البحريني التي دخلها منذ نعومة أظفاره سوسنة تحاول أن تطاول عنان السماء. سوسنة غذاها ليل نهار وسهر عليها حتى استوت نخلة باسقة وتفرعت إلى لوحات حفظتها القلوب قبل العيون في خيوط متموجة من الحكايات والمواويل في فضاء لعب فيه باتقان.

Al-Wasat :: Ja’afar Al-Dairi :: 22 June ’06

بين التراث والمعاصرة كان فتيل تجربة اليوسف

مات وبقيت أصابعه تبحث عن ألوانه
بوسعد: بين التراث والمعاصرة كان فتيل تجربة اليوسف

الوسط – جعفر الديري
يصفه بأنه كان فناناً ملتزماً عاشقاً إلى حد الهوس بالفن.

مبادراً إلى العمل وخلاقاً في انتاجه. فهو ­ والكلام لابراهيم بوسعد ­ كان فناناً أصيلاً لم يسع إلى تحقيق المناصب والمكاسب. ان الحديث مع الفنان ابراهيم بوسعد الذي يعتبر هو الآخر أحد الأسماء الحاضرة بقوة في المشهد التشكيلي البحريني حديث يلتمس إلقاء الضوء على جوانب انسانية كانت تميز المرحوم ناصر اليوسف.

فقد واكب بوسعد تجربة ناصر اليوسف وتعرف عن قرب على مدى الحميمية التي كانت تكتنف قلب الفنان الراحل لفنه. وها قد رحل اليوسف بعد أن ترك وراءه سجلاً فنياً كبيراً خوله أن يكون في صدارة فناني هذا الوطن. وهنا نسكن قليلاً مع هذه الذكريات…

حدثنا بداية عن الخيوط الأولى التي عقدت بينك وبين المرحوم ناصر اليوسف؟

­ بدأت علاقتي بناصر اليوسف من مكتبة الطالب وذلك في الستينات إذ كنت أقف متسمراً أمام بعض التخطيطات بالأسود والأبيض التي كنت مواظبا عليها اسبوعياً وكان عمري وقتها لا يتجاوز خمسة عشر عاماً. ولكن لسوء الحظ لم ألتق ناصر ولو مصادفة. ولكن بعد تخرجي العام 1987 في جامعة بغداد والتحاقي عضوا بجمعية الفن المعاصر أقيم معرض للجمعية في فندق دلمون ومن محاسن الصدف أني وجدت هناك الفنان الكبير ناصر اليوسف الذي تقدم وصافحني بابتسامة عريضة سأظل أتذكرها ما حييت. ومنذ تلك اللحظة توطدت علاقتي باليوسف لأكتشف يوما بعد يوم طيبة هذا الرجل ودماثة خلقه وهوسه بالفن إلى حد العشق.

إنسان كبير

ما لاحظناه وجود موجة عامة من الألم والحزن لفراق ناصر اليوسف، فهل كان اليوسف انسانا كبيرا إلى جانب كونه فنانا متميزا؟

­ لقد كان ناصر اليوسف انساناً كبيراً قبل أن يكون أيضاً فناناً كبيراً، فقد كان كبيرا في أخلاقياته ودماثة خلقه. وقد عرفته جميل المعشر محتضنا المواهب وكان الفن هاجسه الحقيقي اذ كان متطورا فكريا وتقنيا ويمتلك ثقافة فنية وحياتية واسعة أهلته لأن يغامر كثيرا في التعامل مع سطح اللوحة ليكتشف تقنيات مغايرة للسائد. والمتتبع لانتاجه يكتشف السطوح البارزة والنافرة مع استخدام مواد مغايرة للمواد السائدة في تلك الفترة. وهذا ملاحظ في لوحته «القط والطائر» التي تعتبر من أهم لوحاته ومنعطفاً ايجابياً في حياته.

هل لك أن توضح لنا الانجاز الكبير الذي خول ناصر اليوسف تسنم هذه المنزلة الكبيرة؟

­ في تصوري ان ناصر اليوسف من أهم الفنانين وذلك لما يمتلكه من مخزون ثقافي فني انساني فهو لم يقتصر حضوره على مرحلة من دون أخرى. وانما كان فنانا متجددا باحثا، يتميز بالصدق في التعامل مع العمل الفني فلو نظرنا إلى مراحله الفنية لوجدنا احساسا متدفقا ومشاعر انسانية مصدرها الوحيد المحيط الواقعي الذي يعيشه. فأهمية ناصر اليوسف تقع في معادلة صعبة وهي التراث والمعاصرة اللذين استطاع ناصر أن يقدمهما على أحسن شكل.

ظاهرة فنية

وهل تقف مع من يقول ان ناصر اليوسف يعد ظاهرة فنية تستحق الدراسة؟ وهل تراه عبقرياً في رسمه على رغم اصابته بالعمى؟

­ نعم ناصر اليوسف ظاهرة فنية، فهو ظاهرة فنية أخلاقية ملتزمة بتقديم فن صادق عن طريق ملكة البصيرة بعد فقدان البصر. وقد كنت في زيارة لمعرضه الأخير الذي أقامه في صالة البارح. وكان بصحبتي الفنان والناقد التشكيلي أسعد عرابي وكنت حريصاً على أن يرى لوحات ناصر اليوسف إذ وقف بانبهار أمام بعض لوحاته وهو يحللها ويثني على البساطة والعمق اللذين فيها. وبعد أن أخذ جولة في المعرض أخبرته بأن هذا الفنان كفيف فبانت الدهشة على وجهه. وبعدها كنت حريصاً جداً على أن يسمع ناصر وجهة نظر أسعد عرابي في أعماله، وقد اتصلت به مباشرة وحدثه أسعد عن دهشته بهذه الأعمال. وكنت حريصاً على هذه المكالمة لأنه كلما سألني ناصر عن لوحاته ورأيي فيها كنت أقول له ان لوحاته رائعة وكان يعتقد أني كنت أجامله. لذلك أقولها بكل فخر واعتزاز ان ناصر اليوسف ظاهرة فنية قبل المرض وبعده.

وكيف تعوض برأيك الدولة والمؤسسات الرسمية التهميش الذي واجهه ناصر اليوسف وغيره من الفنانين؟

­ إن ناصر اليوسف تجربة مهمة جدا يجب الحفاظ عليها. فناصر لم يؤثر في فقط وانما انجب من الأبناء البررة محمود وجمال وكمال وهاني وعبير ومهمتنا ومهمتهم الآن الحفاظ على تراثه الانساني وتقديمه بأحسن وجه. إلى جانب اهتمام الدولة بهذا التراث بالتنسيق مع أبنائه، فناصر اليوسف كان فنانا أصيلاً لم يسع إلى تحقيق المناصب والمكاسب بل كان مخلصاً لفنه وتراثه.

Al-Wasat :: Ja’afar Al-Dairi :: 22 June ’06

اليوسف… المنتصر على البصر بنور التشكيل

عبدالله يوسف*
ناصر اليوسف

.. الفنان التشكيلي الذي حين كُفّ بصره تحدى الظلام بمزيد من نور التشكيل، وذلك في حدّ حدوثه دلالة باهرة لملكة إبداعية تحدت خذلان أهم حاسة تسعفها على الإطلاق لرؤية أشياء الحياة كي تحيلها لوحات تشكيلية نابضة بالتعبير وبالزخم وبالجمال والقوة… وهو هنا يتماهى مع حال أخرى فريدة تمثلت في الموسيقار العبقري فان بيتهوفن، الذي أبدع أروع موسيقاه حين غادرته حاسة السمع إلى الأبد.

كان السمع والبصر ملء ناصر اليوسف، وكان هو تشكيلياً مختلفاً عن سرب التشكيليين في بلاغة الفكرة وتقنية التعبير وخامات الفن ودلالات التعبير… ولأنه كذلك فقد فرض تحديه على ظلام دامس ونازله في عقر عينه، فناوش سطوته وشاغب هيمنته واخترق سواده واستثمر لونه في إنجاز كمّ هائل من الأعمال التشكيلية التي ­ في ظني ­ أنها بمثابة سيرة حياة أو مذكرات حياة الفنان المرحوم ناصر اليوسف… كأنه كان يريد أن يوصل لنا نحن التشكيليين زملاءه، أن السواد السرمدي في مقلة العين ­ هو في واقع التجربة الحية المريرة ­ لون أخاذ طالما تهربنا من وضعه على حوامل ألواننا بحيث ان عبوته تظل غالباً متخمة به عن آخرها، ويظل هو في علبة الألوان سميناً بين عبوات عجاف عصرنا ألوانها عن آخرها في لوحاتنا… إنه الدرس الأبلغ والأهم بالنسبة إليّ في مفاهيمي المتعددة لمعاني الفنون التشكيلية في الرسم والتصوير.

لقد دأبنا نحن الذين أحببناه دوماً على مناداته بأستاذ ناصر، ليس فقط لأنه يفوقنا سناً وتجربة فن وحياة، بل لأنه يبزُنا دوماً في صوغ الأفكار والدلالات الفنية والتعبيرية… وقد علا في أستاذيته الإنسانية والتشكيلية حين استفرد السواد بناظريه فكفهما عن بقية الألوان ليستأثر بريشته المبدعة.

أراه في لوحته الآسرة الخالدة (الانتظار) حيث القط متربصاً بعصفور يقطن مرغماً قفصاً… الاثنان أسيران عند الوقت والترقب وعند اللحظة الوشيكة أو البعيدة، أو التي ستأتي أو لا تأتي… تلك اللوحة هي ناصر اليوسف ونحن معه… رسمها ربما فيما توحي به من دلالة، وفق تنبؤ مستقبلي قادم في الزمن… هل هي خيانة البصر للعين؟ أم هي الإعياء العضال حين يستبد بالجسد بعد يأسه من تفتيت صلابة النفسية المفعمة بطاقة التشكيل وعنفوانها؟… أم هي الزمن حين يقتص ممن لا يأبهون بجوره؟، أم هي العقاب المنذور لنا كوننا أدمنا الفنون والثقافة؟

ناصر اليوسف… يكفيه شرفاً ونُبلاً، ويكفينا فخراً به أنه ببصيرة بليغة دون بصر، قد ناكف هذا الزمن الموحش الأغبر، واسترسل في الصوغ التشكيلي، ربما ليقول لنا جميعاً: انتبهوا أيها المحبون… مازلت أرسم، ومازالت «الغِبِّه» تستفرد بي، ومازلت أتجرع «الشِيصْ»،

* فنان بحريني متعدد المواهب

Al-Wasat :: Abdulla Yousif :: 22 June ’06

كان رقيقاً وشديد التأثر بالأشياء

عبدالكريم العريض*
تعرفت على ناصر اليوسف لأول مرة في المدرسة الغربية الابتدائية إذ كانت أول تجربة لي في التدريس.

في تلك الفترة في العام 1954 طلب مني القيام بتأسيس لجنة للفنون الجميلة في المدرسة فاخترت مجموعة الأعضاء من التلاميذ الذين يتميزون بملكة الفن التشكيلي وكان منهم إلى جانب اليوسف راشد سوار ونجيب أصغر مع عدد من التلاميذ إذ كونت منهم أول جمعية للفن في المدرسة. ومنذ تلك الفترة وأنا أشعر أن ناصر كانت عنده ميول خصوصا في التشكيل إذ كان يحاول أن يكون استقلالية في الرسم عن طريق اختيار الموضوعات. ومرت الأيام وذهب ناصر إلى المدرسة الثانوية وبدأنا بتأسيس الجمعيات التشكيلية فأسسنا ندوة الفن والأدب ومن ثم أسرة هواة الفن وكان ناصر مشاركا في أسرة هواة الفن إذ أخذ يمارس الفن التشكيلي في الجمعية وكنت المسئول عن الفن في هذه الجمعية. إذ أسست أول مرسم في المنامة 1961 وكان من أعضائه ناصر اليوسف، عبدالكريم البوسطة، راشد العريفي وراشد سوار. وشهدت هذه الفترة تأسيس مجموعة من الفنانين لجماعة فناني البحرين اذ كان عددهم ثمانية فنانين اذ وضعنا لنا برنامج فكنا نذهب إلى القرى والمناطق البعيدة ونرسم المناظر الطبيعية في البحرين. وأقمنا بتلك الأعمال معارض في «برتش كونسل» في الستينات ونادي بابكو.

في العام 1968 اقترحت شركة كرازن للسجائر اقامة معرض لفناني الشرق الأوسط وكان معرضا عالميا متنقلا يقام في البحرين ومن ثم إلى القاهرة ومن ثم إلى بيروت وباريس ولندن وكانت البحرين مشاركة في هذا المعرض وكان ناصر قد عرض عدة لوحات في المعرض وكانت لوحات غريبة بدأ فيها خط ناصر بالتميز خلال اختياره مساحة اللوحة إذ كان طول اللوحة يفوق عرضها بثمانية أضعاف وكان العمل شارعاً طويلاً وهو شارع الشيخ عبدالله وكان الرسم بالزيت باستخدام السكين وكانت من الأعمال التي بيعت في المعرض ومن الأعمال التي حظيت بالاشادة.

أيام السبعينات كنت أخرج مع ناصر عصر كل يوم لنرسم موضوعات كثيرة بالقلم الرصاص. وكنت أعمل في تلك الفترة بطاقات معايدة بالحبر الصيني اذ كنت أرسم مناظر طبيعية فصادفت رواجا كبيرا عند الأجانب فقام ناصر بعمل تلك البطاقات أيضا اذ كانت ذات تأثير على بقية الفنانين الذين اتخذوا المنحى نفسه فأصبحت تلك البطاقات مما يتميز بها التشكيليون في البحرين.

وعندما أنشأنا جمعية الفن المعاصر كان ناصر أحد الأعضاء الأوائل وساهم مساهمة جيدة في الجمعية وفي العام 1979 عندما أقيمت الانتخابات في الجمعية انتخب رئيسا للجمعية. وفي العام 1981 بدأنا نقيم معارض خارج البحرين وكان ناصر من الأعضاء المشاركين في تلك المعارض. وفي هذه الفترة سافر ناصراليوسف إلى مصر وتعرف على الكثير من الفنانين ومنهم الفنان السجيني الذي كان شديد التأثير عليه اذ أخذ منه ناصر الاسلوب الشعبي أو فن البحارة إذ يأتي بقصة معينة وينطلق منها في بعض أعمال تشكيلية ولو رجعنا إلى مقال كتبه في السجل الفني لجمعية الفن المعاصر لوجدنا فيه اضاءة على تجربته تلك. اذ كانت في تلك الفترة باكورة أعماله في الاسلوب الذي تميز به وعندما سافرنا إلى المغرب إلى موسم أصيلة تعرفنا هناك على فنانين يعملون في الجرافيك وفي العام 1982 أقمنا معرضا خاصا في العام 1982 في نادي الخريجين مع أربعة فنانين إذ عرض ناصر أعمالاً بالحفر على الجرافيك بدأ منها التميز في هذا اللون.

حتى العام 1984 كان ناصر يعمل بجد من دون ان يشكو من عينيه ولكن في العام 1984 وما بعدها بدأ يشكو من عينيه حين بدأ نظره بالضعف تدريجيا حتى فقد بصره بعد معاناة مع المرض واجراء العمليات. وكان ناصر رقيقا الشعور وكان انطباعيا شديد التأثر بالأشياء وكل ما وصل اليه كان بسبب تقبله التعلم وكانت هذه ملكة لمحتها فيه منذ أن كان تلميذا واستمرت فيه تلك الملكة إذ تعلم الكثير من رحلاته إلى العراق ومسقط والسعودية ولندن وكان دائبا على تقبل المعرفة وتطبيقها على أعماله.

من رواد الحركة التشكيلية البحرينية

Al-Wasat :: 22 June ’06

وجهة نظر – اليوسف و أكبري

فقدت البحرين رائدين من اهم روادها في الفن والعمارة خلال هذا الاسبوع هما الفنان التشكيلي ناصر اليوسف احد مؤسسي الحركة التشكيلية محلياً وخليجياً وصاحب الذوق الرفيع في العمارة للمؤسسات العامة والفيلل الخاصة في البحرين المهندس المعماري محمود اكبري.

المنية هي الصدفة التي جمعت اليوسف واكبري فكلاهما تمتع بحس فني راق شاركا به الجميع وامتعا اهل البحرين بما انتجاه سواء في الفن أو العمارة.
وهو الامر الذي دفعني الى كتابة هذه الاسطر دون شيء آخر اضافة الى أن اليوسف وأكبري تربطهما علاقة عائلية قديمة مع والديّ اللذين تأثرا كثيراً لنبأ وفاتهما وهما في اجازة خارج البلاد.

أذكر كيف كان اليوسف يشجعني على مزاولة الرسم وتحديدا الفن المائي وكيف كان والدي في اواخر الثمانينات قبل ان يفقد اليوسف نظره ويصاب بالعمى يصطحبني الى مكتبه الكائن عند شارع كنيسة القلب المقدس اذ كان اليوسف يستوقفني في كل صغيرة وكبيرة من اعمالي التي كنت آنذاك انجزها بشغف وبسرعة كبيرة لطالما اشتقت لذلك.

هذه الشخصية كان لها الفضل في دعمي وتشجيعي في مشاركة معارض ومسابقات فنية داخل البحرين لفترة ليست بقصيرة وبسببه تطورت هوايتي مع ان الصحافة ومشاغل الحياة الهتني عنها… على رغم انني مازالت أتذكر كلماته التي تطرق اذني بعدم ترك الرسم واهمال هذا الحس المكنون بداخلي.
اما اكبري فقد كان ينجز تصاميمه في بناء فيلل بحس فنان يعشق العمارة الاندلسية واهل اسبانيا التي ظل مغرماً بها حتى يوم وافته في ديار الاسبان…قد لا يعلم الكثير من ابناء جيلي ما قدمه هذا الانسان المبدع للبحرين فهو أول من صمم الفيلل والبيوت عندما افتتح اول شارع باسم الشيخ سلمان الممتد الى حديقة السلمانية بينما صمم عدداً من مباني المؤسسات الحكومية اضافة الى مدرسة القضيبية النموذجية للبنات التي مازال مبناها موجوداً مقابل مجمع الهادي التجاري وغيره من الفيلل التي صممها في مناطق سكنية مختلفة مثل القفول والزنج والعدلية والبديع.

مهما كتبت عن اكبري الذي كان يعد بمثابة الخال العزيز لوالدي مورثاً حبه للعمارة لابنتيه خلود وعبير فلن أوفي حقه… فرحم الله اليوسف واكبري واسكنهما فسيح جناته.

Al-Wasat :: Reem Khalifa :: 20 June ’06

ناصر اليوسف‮.. ‬تجلي‮ ‬البصيرة

كتب ‬فريد رمضان‮:‬

حين فقد بصره قبل أكثر من عشر سنوات،‮ ‬لم تسقط الفرشاة من‮ ‬يد هذا الفنان الذي‮ ‬عاصر تاريخ الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين مع إرهاصاتها الأولى،‮ ‬وانفجارها الخاص مع رواد الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين الذين ساهموا في‮ ‬تشكيل فن تشكيلي‮ ‬تجاوز الممكن إلى المستحيل‮. ‬وتعد تجربة الفنان ناصر اليوسف أكبر تحد للفنان التشكيلي‮ ‬البحريني‮ ‬حين دخلت تجربة مرحلة المستحيل وبدأ‮ ‬يرسم،‮ ‬ويحفر،‮ ‬وفي‮ ‬الحفر‮ (‬الغرافيك‮) ‬إبداع‮ ‬يتطلب تحد من نوع خاص،‮ ‬خاضه الفنان ناصر اليوسف بجرأة المبصر والمدرك تماما لتجربته وهو ما دلت عليه الأعمال التي‮ ‬نفذهااليوسف من خلال الحفر أو ما‮ ‬يعرف‮ (‬باللاينوكات‮)‬،‮ ‬ونجح فيه بشكل لافت بل ومثير للدهشة ويستحق الدرس‮. ‬نعم إن هذه التجارب الفنية التي‮ ‬خاض‮ ‬غمارها هذا الفنان تتطلب وعياً‮ ‬مهماً‮ ‬لقراءتها،‮ ‬وهو الفنان الذي‮ ‬يعد من مؤسسي‮ ‬الحركة التشكيلية البحرينية،‮ ‬ومن ثم تجربة الازدهار التشكيلي‮ ‬عند اليوسف،‮ ‬والأهم مرحلة فقد البصيرة،‮ ‬واشتغاله على الحفر،‮ ‬واعتماده على مدى تنبيه حاسة اللمس،‮ ‬والحفر في‮ ‬قيمته الإبداعية تنهض قيمة التحسيس التي‮ ‬تحول ملمس الأصابع إلى اللوحة في‮ ‬تطور إنتاجها على هذه الحاسة بدرجة عالية،‮ ‬ولعل معرضه التشكيلي‮ ‬الذي‮ ‬أقامه هذا الفنان العام الماضي‮ ‬في‮ ‬سبتمبر‮ ‬2005‮ ‬في‮ ‬صالة دار البارح تحت عنوان‮ ”‬تجلي‮ ‬البصيرة‮” ‬وهو المعرض الذي‮ ‬لم‮ ‬يستطع حضور افتتاحه بسبب المرض،‮ ‬وهو التحدى الواضح الذي‮ ‬يوحي‮ ‬به عنوان المعرض،‮ ‬في‮ ‬التجلي‮ ‬حيث‮ ”‬علاه أو الشيء نظر إليه مشرفاً‮” ‬وهو هنا‮ ‬يقول لنا إنه علّى البصيرة وتجلّى بها،‮ ‬وضع من خلال عدم البصيرة بصيرة أخرى أكثر تجلياً،‮ ‬وأبلغ‮ ‬رؤية‮.‬

في‮ ‬هذا المعرض قدم الفنان الراحل ناصر اليوسف رسالة تستبطن رحلته مع الفن التشكيلي،‮ ‬قائلا ببلاغة المبصر،‮ ‬إن الفنان التشكيلي‮ ‬لا‮ ‬يحتاج لعينيه ما دام قلبه‮ ‬ينبض بالنور،‮ ‬وقلبه‮ ‬يكتشف العالم بتحد،‮ ‬وهو‮ ‬يمسك ادوات الحفر ويتحسس اعماله عبر بلاغة متواترة،‮ ‬حين عرض وقتها أكثر من أربعين لوحة تعبر جميعها،‮ ‬بل ان اعمال اليوسف في‮ ‬مجملها منذ الرسم بالزيت والحفر،‮ ‬لم‮ ‬يغادر التراث البحريني‮ ‬الشعبي،‮ ‬يغوص في‮ ‬عمق تفاصيله وتجلياته الجميلة مثل الرقصات والألعاب الشعبية التي‮ ‬طواها النسيان‮. ‬يرسم ويحفر في‮ ‬ذاكرة المكان حيث الأحياء القديمة والطرقات الضيقة،‮ ‬وعلاقة الإنسان البحريني‮ ‬بهذا المكان وتجسيده للعلاقات الاجتماعية‮.‬

‮ ‬هذه الأعمال التي‮ ‬عكف الفنان ناصر اليوسف بعد فقدانه النظر على العمل بها وتقديمها في‮ ‬معارض عديدة جماعية وفردية أكدت على مواهبة لا‮ ‬يمكن تجاوزها عند الحديث عن تاريخ الريادة التشكيلية في‮ ‬البحرين،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬جعل كل من‮ ‬يعمل في‮ ‬المجال التشكيلي‮ ‬أو‮ ‬يتواصل معه من التوقف أمام تجربة اليوسف سوى في‮ ‬انطلاقتها المبكرة مع الفنانين الآخرين،‮ ‬أو في‮ ‬التزامه المتواصل في‮ ‬مسك الريشة وادوات الحفر،‮ ‬وخلط الألوان،‮ ‬وفي‮ ‬تمازجات اللون الأبيض والأسود وتدرجاتها في‮ ‬نتائج الحفر،‮ ‬حيث كان‮ ‬يعتمد في‮ ‬تنفيذ أعماله على الورق والحفر حيث‮ ‬يقوم في‮ ‬بداية الأمر بقطع الشكل المطلوب من الورق بواسطة المقص ومن ثم‮ ‬يضع هذا الشكل على قطع خشبية ويبدأ حفرها للوصول للشكل المطلوب بواسطة اللمس حتى‮ ‬يصل إلى طباعة الشكل المحفور على الورق فتظهر في‮ ‬الأخير لوحة تشكيلية واضحة‮.‬

البدايات ونواة التأسيس التشكيلي‮ ‬في‮ ‬الشعر والحفر

‬لقد مثلت تجربة الفنان ناصر اليوسف مع مجايليه تجربة الريادة التشكيلية في‮ ‬البحرين رغم تأكيده أنه استفاد من تجارب بعض الفنانين من أمثال سلمان الصباغ‮ ‬والفنان عبدالكريم العريض التي‮ ‬كما‮ ‬يقول‮ (‬كنت أقف مبهورا أمامها وأتمنى ان ارسم مثلها‮)‬،‮ ‬كما‮ ‬يؤكد هذا الفنان بتواضع سمح كيف استفاد من فنان مثل أحمد السني‮ (‬لما قدمه لنا من مساعدات مكنتنا من تلمس طريقنا في‮ ‬الأداء الفني‮)‬،‮ ‬وكذلك دور الفنان عزيز زباري‮ ‬الذي‮ ‬استفاد من تجربة‮.‬

إذن من هنا،‮ ‬من تلاقي‮ ‬التجارب وتلاقحها تمثلت مجموعة الرواد النواة التي‮ ‬بدأت تجتمع في‮ ‬أيام الجمعة في‮ ‬احدى القرى القريبة من المنامة ليرسموا معالمها مثلما‮ ‬يذكر عبدالكريم العريض،‮ ‬ثم تحولوا إلى العناصر المحلية،‮ ‬بعضها كان‮ ‬يثير اهتمام الجالية الأوروبية فيقتنوها كنوع من التذكار السياحي،‮ ‬وقد تقاطرت معارض هذه الفترة في‮ ”‬نادي‮ ‬بابكو‮” ‬مثلما‮ ‬يؤكد عبدالكريم العريض،‮ ‬ذاكرة الحركة التشكيلية البحرينية،‮ ‬تراجعت مع الأيام اللوحة الفلكلورية التسويقية أمام اللوحة التي‮ ‬تستمد خصائصها الروحية من البيئة الحضرية والجغرافية بشكل عفوي،‮ ‬ولقد كانت تجربة الفنان ناصر اليوسف في‮ ‬بداياتها تعبر بشكل مباشر عن البيئة،‮ ‬وقد عبرت رؤيته المتواضعة في‮ ‬ذلك الوقت عن أنطلاق شفيف في‮ ‬تجسيد البيئة الشعبية بشكل انطباعي‮ ‬نجح في‮ ‬فترات لاحقة من عمره من تجريد هذه البيئة ورسمها بالحفر ببلاغة فنية نجح فيها بقدر كبير‮. ‬ولقد كانت تجربته في‮ ‬التجريد في‮ ‬ديوان علي‮ ‬عبدالله خليفة‮ (‬عطش النخيل‮) ‬حين رسم الشعر بالريشة،‮ ‬وكانت أول تجربة‮ ‬يتقاطع فيها الشعر بالتشكيل‮.‬

‮ ‬ولقد كان الفنان ناصر اليوسف من أول من زار مهرجان أصيلة مع مجموعة من الفنانين البحرينين من أمثال الفنان عبدالكريم البوسطة والفنان إبراهيم بوسعد،‮ ‬ومن هناك تفتح إداركهم على فن الحفر وتعلموا فن الطباعة على الزنك والنحاس بالاضافة إلى فن‮ (‬اللاينوكات‮)‬،‮ ‬فاضاف إلى خبراته في‮ ‬الرسم المائي‮ ‬والزيت فن جديد سوف‮ ‬يشكل علامة فارقة في‮ ‬حياته،‮ ‬فتحمس لهذا الفن وقام شخصيا باحضار أدوات الحفر وشكل مع أول مجموعة أول معرض للحفر‮. ‬جامعا بذلك حسيات عالية التقطها من تفجير الصور الشعرية في‮ ‬تجربته‮ (‬عطش النخيل‮) ‬أو من أحساسه العالي‮ ‬بالموسيقى في‮ ‬تجسيد الرقصات الشعبية والشعور بالترتيب الصوتي‮ ‬والإيقاعي‮ ‬للموسيقى في‮ ‬اللوحة‮.‬

‬لا‮ ‬يمكن لنا في‮ ‬هذه العجالة تقديم قراءة تنصف تجربة هذا الفنان العبقري،‮ ‬والذي‮ ‬نعتقد ان تجربة مثل تجربته تحتاج لتفكيك وقراءة متأنية لزخمها الفني‮ ‬والإبداعي‮ ‬من جهة،‮ ‬ولارتباطها العميق بالبيئة المحلية والشعبية من فنون الغناء والرقص من جهة أخرى‮.‬

[TABLE=2]
الوطن البحرينية – فريد رمضان – ١٧ يونيو ٢٠٠٦

حين رسمت مواويل علي‮ ‬عبد الله خليفة في‮ ‬عطش النخي

بقلم‮: ‬ناصر اليوسف‭*

في‮ ‬المحرق ولدت العام‮ ‬‭,‬1940‮ ‬وعندما أذكر المحرق تتداعى إلى ذاكرتي‮ ‬نبضات من الذكريات‮.. ‬أتذكر بيت البقشى الذي‮ ‬ولدت فيه بحوشه الواسع ودهليزه الطويل والباب الكبير‮ (‬أبوخوخه‮) ‬وحجرة على اليسار من الداخل‮ ‬يوجد فيها صندوق كبير تبرق مساميره المذهبة وهو موضوع على أربع أسطوانات خشبية محزوزة في‮ ‬الوسط‮. ‬وأتذكر أن تلك الأسطوانات كانت ملونة بخطوط عريضة،‮ ‬الأصفر والأخضر في‮ ‬الوسط ثم الأصفر والأحمر مرة أخرى‮.. ‬وإلى جانب ذلك الصندوق سلة كبيرة من الخيزران المجدول‮ ‬يتكرر فيه الخوص الملون بالأحمر والأخضر‮.. ‬هي‮ ‬ذكريات بعيدة‮.. ‬كل ما بقي‮ ‬منها في‮ ‬ذاكرتي‮ ‬الألوان والزخارف‮.. ‬وأتذكر عندما انتقلنا إلى المنامة‮.. ‬كنت في‮ ‬الثامنة من عمري‮.. ‬أتذكر البيت الذي‮ ‬سكناه في‮ ‬المنامة‮.. ‬أتذكر منه الدهليز والجليب وحجرة السعف‮ (‬حجرة كان‮ ‬يجمع فيها السعف لاستعماله لإيقاد النار للطبخ‮).. ‬أتذكر الحمام‮.. ‬ذلك الطائر الذي‮ ‬كنت ولا أزال أحبه‮.. ‬كنت قد أهديت زوجا منه فتكاثر‮.. ‬وأتذكر صغاره‮.. ‬ولقد رسمت الحمام كثيرا‮.. ‬كنت أرسمه في‮ ‬الكتب الدراسية وفي‮ ‬دفاتر الرسم وعلى سبورة الصف وعلى جدران بيوت الحي‮ ‬بالفحم‮.‬
تلك ذكريات أصبحت بعيدة الآن بعد أن توالت عليها السنون ولكن مازال بعضها‮ ‬يستعصي‮ ‬على النسيان‮.. ‬منها ذكريات الانبهار تتصدر القاعة لوحة المسرح للأستاذ سلمان الصباغ‮ ‬ولوحة الموناليزا للأستاذ كريم العريض وغيرها من لوحات لا أتذكرها‮.. ‬كنت أقف مبهوراً‮ ‬أمامها وأتمنى أن أرسم مثلها‮.‬
وقد كان للأستاذ كريم العريض فضل لا‮ ‬يمكن أن أنساه فقد اختارني‮ ‬في‮ ‬جمعية الرسم بالمدرسة وكنت في‮ ‬الصف الرابع الابتدائي‮ ‬وكان‮ ‬يحثنا دائما على العمل والإنتاج،‮ ‬ويعلق ما ننتجه في‮ ‬الصف وقاعة المدرسة مما كان له أثر كبير في‮ ‬إذكاء رغبتنا وتنمية هوايتنا للرسم‮.‬
وفي‮ ‬المدرسة الثانوية كان هناك أستاذ آخر كان له فضل كبير علينا هو الأستاذ أحمد السني‮ ‬الذي‮ ‬نحتفظ له بأجل التقدير لما قدمه لنا من مساعدات مكنتنا من تلمس طريقنا في‮ ‬الأداء الفني‮.‬
ولقد كنت أشارك في‮ ‬جميع المعارض المدرسية في‮ ‬المدرسة الابتدائية والثانوية‮. ‬ولكن أول معرض‮ ‬غير مدرسي‮ ‬شاركت فيه كان العام‮ ‬‭,‬1957‮ ‬في‮ ‬المعرض الزراعي‮ ‬الذي‮ ‬أقيم في‮ ‬حديقة الأندلس وكانت مشاركتي‮ ‬فيه بلوحة‮ ”‬سهرة شتوية‮” ‬تمثل عائلة حول المنقلة التي‮ ‬يتوهج فيها الجمر وحوله‮ ‬غوري‮ ‬الشاي‮ ‬ودلة القهوة‮.‬
وبعد أن تخرجت من قسم المعلمين عينت مدرساً‮ ‬في‮ ‬مدرسة السلمانية الابتدائية وكان‮ ‬يدرس فيها أيضا الفنان القدير عزيز زباري،‮ ‬وقد استفدت منه كثيراً،‮ ‬وهو بدوره لم‮ ‬يكن‮ ‬يبخل علي‮ ‬بأي‮ ‬معلومات فنية‮.. ‬ثم انضممت إلى أسرة هواة الفن‮.. ‬وبدأت المسيرة الحقيقية في‮ ‬حياتي‮ ‬الفنية‮.. ‬كانت لقاءاتنا‮ ‬يومية تقريباً‮ ‬في‮ ‬الأسرة‮.. ‬كريم العريض‮.. ‬كريم البوسطه‮.. ‬راشد سوار‮.. ‬راشد الغريفي‮.. ‬عزيز زباري‮ ‬تلك اللقاءات كان لها أثر كبير في‮ ‬تكويننا الفني‮.. ‬من خلال النقاش الذي‮ ‬كان‮ ‬يدور بيننا‮.. ‬وكانت تغذي‮ ‬ذلك النقاش المقالات الفنية التي‮ ‬كنا نقرأها في‮ ‬المجلات والصحف الصادرة‮ ‬في‮ ‬تلك الأيام مثل الفكر المعاصر والمجلة والفنون والمعرفة السورية وغيرها‮.. ‬وإلى جانب تلك اللقاءات كنا نخرج إلى المدن والقرى في‮ ‬كثير من أيام الجمع والعطلات الرسمية لنرسم من الطبيعة،‮ ‬وقد رسمنا الكثير‮.. ‬في‮ ‬المقاهي‮ ‬والحارات الشعبية والبساتين والبحرين والسفن‮.. ‬وأقمنا معارض عدة في‮ ‬المعهد الثقافي‮ ‬البريطاني‮ ‬ونادي‮ ‬بابكو والنوادي‮ ‬الأهلية من تلك الرسومات والاسكتشات التي‮ ‬كنا نرسمها في‮ ‬تجوالنا‮.. ‬وفي‮ ‬العام‮ ‬‭,‬1967‮ ‬أقامت شركة كريراس كرافن‮ ”‬أ‮” ‬مسابقة لاختيار أعمال من الدول العربية وكانت البحرين إحداها وكنت سعيدا أن تكون إحدى لوحاتي‮ ‬ضمن المجموعة التي‮ ‬اختيرت من البحرين وقد طاف المعرض في‮ ‬سبع دول عربية وثلاث دول أوروبية‮.‬
وأذكر أنه عند تجوالنا لفتت نظري‮ ‬الزخارف الجصية الشعبية في‮ ‬واجهات بيوت قرية الدراز وبعض بيوت المحرق والمنامة فكنت أسجل كل نوع من تلك الزخارف في‮ ‬كراستي‮.. ‬وكنت مهتما بحكايات الغواصين فاختمرت لدي‮ ‬فكرة أن أرسم بعض تلك الحكايات وبدأت أعد الاستكشات والرسومات التخطيطية لها وأجمع القصص التي‮ ‬تحكي‮ ‬عن الغوص من كبار السن‮.. ‬وصدر ديوان الشاعر الكويتي‮ ‬محمد الفايز‮ ”‬النور من الداخل‮” ‬وقرأته أحسست أنه‮ ‬يجسد ما كنت أبحث عنه من معان وبدأت أرسم لوحاتي‮ ‬السبع عن الغوص وكانت من الحجم الكبير ومرسومة بالزيت وعندما انتهيت عرضتها في‮ ‬معرض أسرة فناني‮ ‬البحرين في‮ ‬الكويت العام‮ ‬‭,‬1969‮ ‬وكانت فرحتي‮ ‬كبيرة وأنا أجد الصدى الطيب للوحاتي‮ ‬تلك ولقد اختارت مجلة العربي‮ ‬الكويتية إحدى لوحاتي‮ ‬وهي‮ ”‬عرس الغواص‮” ‬ونشرتها في‮ ‬غلافها الداخلي‮ ‬بالألوان في‮ ‬العدد‮ ‬11‮ ‬الصادر في‮ ‬ديسمبر‮ ‬‭,‬1969‮ ‬وبعد عودتي‮ ‬إلى البحرين بفترة طلب مني‮ ‬الصديق الشاعر علي‮ ‬عبد الله خليفة أن أرسم مواويله الشعبية التي‮ ‬كان‮ ‬يعدها لتصدر في‮ ‬ديوانه‮.. ‬وفعلاً‮ ‬بدأت العمل فيها‮.. ‬وطبع ديوان‮ ”‬عطش النخيل‮” ‬للشاعر علي‮ ‬عبد الله خليفة محتوياً‮ ‬على رسوماتي‮.. ‬ولقد أفادتني‮ ‬تلك الرسومات وعملت منها لوحات زيتية عرضتها في‮ ‬معرض أسرة فناني‮ ‬البحرين في‮ ‬نادي‮ ‬النسور العام‮ ‬‭.‬1970
وعندما بدأت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إقامة المعرض التشكيل السنوي‮ ‬لفناني‮ ‬البحرين،‮ ‬وأكملت مسيرة ذلك المعرض وزارة الإعلام كانت حصيلتي‮ ‬منه ما‮ ‬يلي‮:‬
1‮)‬ميدالية العشرة الأوائل في‮ ‬المعرض الأول‮ ‬‭.‬1972
2‮)‬شهادة تقديرية في‮ ‬المعرض السادس‮ ‬‭.‬1977
3‮)‬شهادة تقديرية في‮ ‬المعرض السابع‮ ‬‭.‬1978
4‮)‬جائزة دلمون الأولى في‮ ‬المعرض الثامن‮ ‬‭.‬1979
5‮)‬جائزة دلمون الأولى في‮ ‬المعرض التاسع‮ ‬‭.‬1980
6‮)‬ميدالية من المعرض العاشر‮ ‬‭.‬1981
وكنت عندما تخصصت أسرة فناني‮ ‬البحرين في‮ ‬المسرح الموسيقي‮ ‬قد انضممت إلى جمعية الفن المعاصر وبدأت أشترك في‮ ‬معارضها وساهمت في‮ ‬النشاطات والفعاليات الآتية‮:‬
1‮-‬مثلت البحرين في‮ ‬اجتماع الأمانة العامة لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب في‮ ‬الإسكندرية العام‮ ‬1976‮ ‬مع الفنانين اسحق خنجي‮ ‬وأحمد العريفي‮.‬
2‮-‬شاركت في‮ ‬تجمع أصيلة الثقافي‮ ‬والفني‮ ‬الذي‮ ‬أقيم في‮ ‬مدينة أصيلة في‮ ‬المغرب العام‮ ‬‭,‬1980‮ ‬مع كريم العريض وإبراهيم بوسعد وكامل بركات واسحق خنجي‮.‬
3‮-‬شاركت مع وفد البحرين في‮ ‬معرض الخليج للفنون التشكيلية الأول بدولة قطر العام‮ ‬‭.‬1980
4‮-‬قمت مع الإخوان كريم العريض وإبراهيم بوسعد وكامل بركات واسحق خنجي‮ ‬بزيارة إلى المتاحف المهمة في‮ ‬باريس ولندن وأمستردام‮.‬
5‮-‬كنت من ضمن الوفد الذي‮ ‬اختارته وزارة الإعلام الذي‮ ‬أقام معرضا تشكيليا لأول مرة في‮ ‬سنغافورة العام‮ ‬1981‮ ‬وكان الوفد برئاسة الدكتور محمد الخزاعي‮ ‬مدير إدارة الثقافة والفنون في‮ ‬وزارة الإعلام وعضوية كل من كريم العريض ويوسف قاسم وراشد الخليفة وناصر اليوسف‮.‬
6‮-‬كتبت عدداً‮ ‬من المقالات عن الفنون التشكيلية في‮ ‬الصحف والمجلات المحلية وشاركت في‮ ‬بعض الندوات الفنية‮.‬
؟ كتب الفنان ناصر اليوسف هذه الشهادة في‮ ‬منتصف الثمانينات في‮ ‬كتاب‮ ”‬رواد الحركة التشكيلية في‮ ‬البحرين‮” ‬من إعداد عبد الكريم العريض وأحمد نشابه‮. ‬وقامت وزارة الإعلام بطبعاته من دون تحديد سنة الطبع‮.

Al-Watan :: Nasser Al-Yousif :: 17 June ’06