Categories
مقالات

مقتطفات من سيرة الفنان ناصر اليوسف… كما كتبها

في المحرق ولدتُ عام 1940م، وعندما أذكر المحرق تتداعى إلى ذاكرتي نبضات من الذكريات. أتذكر بيت البقشى الذي ولدت فيه بحوشه الواسع ودهليزه الطويل والباب الكبير (أبوخوخه) وحجرة على اليسار من الداخل يوجد فيها صندوق كبير تبرق مساميره المذهبة وهو موضوع على أربع أسطوانات خشبية محزوزة في الوسط وأتذكر أن تلك الأسطوانات كانت ملونة بخطوط عريضة، الأصفر والأخضر في الوسط ثم الأصفر والأحمر مرة أخرى… وإلى جانب ذلك الصندوق سلة كبيرة من الخيزران المجدول يتكرر فيه الخوص الملون بالأحمر والأخضر… هي ذكريات بعيدة… كل ما بقي منها في ذاكرتي الألوان والزخارف… وأتذكر عندما انتقلنا إلى المنامة… كنت في الثامنة من عمري… أتذكر البيت الذي سكناه في المنامة… أتذكر منه الدهليز والجليب وحجرة السعف (حجرة كان يجمع فيها السعف لاستعماله لإيقاد النار للطبخ)… أتذكر الحمام… ذلك الطائر الذي كنت ولا أزال أحبه… كنت قد أهديت زوجاً منه فتكاثر… وأتذكر أننى كنت في حرب دائمة مع القطط التي كانت تهاجمه وتأكل صغاره… ولقد رسمت الحمام كثيراً… كنت أرسمه في الكتب الدراسية وفي دفاتر الرسم وعلى سبورة الصف وعلى جدران بيوت الحي بالفحم.

تلك ذكريات أصبحت بعيدة الآن بعد أن توالت عليها السنين ولكن مازال بعضها يستعصي على النسيان… منها ذكريات الانبهار باللوحات المعلقة في القاعة الداخلية في المدرسة الابتدائية حيث كانت تتصدر القاعة لوحة المسرح للأستاذ/ سلمان الصباغ ولوحة الموناليزا للأستاذ كريم العريض وغيرها من لوحات لا أتذكرها… كنت أقف مبهوراً أمامها وأتمنى أن أرسم مثلها.

ولقد كان للأستاذ كريم العريض فضل لا يمكن أن أنساه فلقد اختارني في جمعية الرسم بالمدرسة وكنت في الصف الرابع الابتدائي وكان يحثنا دائماً على العمل والإنتاج، ويعلق ما ننتجه في الصف وفي قاعة المدرسة ما كان له أثر كبير في إذكاء رغبتنا وفي تنمية هوايتنا للرسم.

وفي المدرسة الثانوية كان هناك أستاذ آخر كان له فضل كبير علينا هو الأستاذ/ أحمد السني الذي نحتفظ له بأجل التقدير لما قدمه لنا من مساعدات مكنتنا من تلمس طريقنا في الأداء الفني.

ولقد كنت أشارك في جميع المعارض المدرسية في المدرسة الابتدائية والثانوية. ولكن أول معرض غير مدرسي شاركت فيه كان عام 1957م، في المعرض الزراعي الذي أقيم في حديقة الأندلس وكانت مشاركتي فيه بلوحة «سهرة شتوية» تمثل عائلة حول المنقلة التي يتوهج فيها الجمر وحوله غوري الشاي ودلة القهوة.

وبعد أن تخرجت من قسم المعلمين عينت مدرساً في مدرسة السلمانية الابتدائية وكان يدرّس فيها أيضاً الفنان القدير عزيز زباري ولقد استفدت منه كثيراً وهو بدوره لم يكن يبخل عليّ بأية معلومات فنية… ثم انضممت إلى أسرة هواة الفن… وبدأت المسيرة الحقيقية في حياتي الفنية… كانت لقاءاتنا يومية تقريباً في الأسرة… كريم العريض… كريم البوسطة… راشد سوار… راشد العريفي… عزيز زباري تلك اللقاءات كان لها أثر كبير في تكويننا الفني… من خلال النقاش الذي كان يدور بيننا… وكانت تغذي ذلك النقاش المقالات الفنية التي كنا نقرؤها في المجلات والصحف التي كانت تصدر في تلك الأيام مثل الفكر المعاصر والمجلة والفنون والمعرفة السورية وغيرها… وإلى جانب تلك اللقاءات كنا نخرج إلى المدن والقرى في كثير من أيام الجمع والعطلات الرسمية لنرسم من الطبيعة، ولقد رسمنا الكثير… في المقاهي والحارات الشعبية والبساتين والبحر والسفن… وأقمنا عدة معارض في المعهد الثقافي البريطاني ونادي بابكو والنوادي الأهلية من تلك الرسومات والاسكتشات التي كنا نرسمها في تجوالنا… وفي عام 1967م، أقامت شركة كريراس كرافن»أ» مسابقة لاختيار أعمال من الدول العربية وكانت البحرين إحداها وكنت سعيداً أن تكون إحدى لوحاتي من ضمن المجموعة التي اختيرت من البحرين ولقد طاف المعرض في سبع دول عربية وثلاث دول أوروبية.

وأذكر أننى عند تجوالنا قد لفتت نظري الزخارف الجصية الشعبية في واجهات بيوت قرية الدراز وفي بعض البيوت في المحرق والمنامة فكنت أسجل كل نوع من تلك الزخارف في كراستي… وكنت مهتماً بحكايات الغواصين فاختمرت لديّ فكرة أن أرسم بعض تلك الحكايات وبدأت أعد الاسكتشات والرسومات التخطيطية لها وأجمع القصص التي تحكى عن الغوص من كبار السن… وصدر ديوان الشاعر الكويتي محمد الفايز «النور من الداخل» وقرأته أحسست بأنه يجسد ما كنت أبحث عنه من معانٍ وبدأت أرسم لوحاتي السبع عن الغوص وكانت من الحجم الكبير ومرسومة بالزيت وعندما أنهيتها عرضتها في معرض أسرة فناني البحرين في الكويت عام 1969م، وكانت فرحتي كبيرة وأنا أجد الصدى الطيب للوحاتي تلك ولقد اختارت مجلة العربي الكويتية إحدى لوحاتي وهي «عرس الغواص» ونشرتها في غلافها الداخلي بالألوان في العدد 111 الصادر في ديسمبر 1969.

العدد 3738 – السبت 01 ديسمبر 2012م الموافق 17 محرم 1434هـ

Categories
مقالات

رؤى حول تجربة الراحل ناصر اليوسف بمركز كانو الثقافي

المصلى – محرر فضاءات
01 ديسمبر 2012
الوسط

نظم ملتقى عبدالرحمن كانو الثقافي أمسية تحت عنوان «رؤى في تجربة فنان البحرين الراحل ناصر اليوسف» تم بمشاركة عدد من الفنانين وذلك بصالة الملتقى في المصلى. تحدث خلال الأمسية الفنان التشكيلي عبدالكريم العريض والفنان عبدالله يوسف فيما أدار الندوة الفنان محمود الملا. بدأ الحديث مع الفنان التشكيلي عبدالكريم العريض، أستاذ الفنان الراحل ناصر اليوسف، الذي أشار إلى أنه أول من اكتشف عبقرية اليوسف وهو لايزال في بداية مشواره.

العريض: اليوسف ابن الإنسانية…

وأنا مكتشف عبقريته

الفنان العريض وصف اليوسف بأنه واحداً من أولئك الذين «نطلق عليهم أبناء الإنسانية، حيث إن ما قدموه في مجتمعاتهم الخاصة تخطى تلك المجتمعات إلى المجتمع العالمي الواسع».

وأضاف «نحن في هذه الأمسية نتحدث عن إنسان عاش بيننا حقبة من الزمن ورحل بعد أن أعطى ما أمكنه من عطاء يدخل في نطاق الفن التشكيلي. لقد كان لعطائه ميزة خاصة، وقد اجتهد في إبراز تجربته الذاتية وهو يعمل في نطاق أقرانه من رواد الحركة التشكيلية في البحرين، والذين كانوا يجتهدون بدورهم في إبداع أفكار فنية متميزة لخلق نموذج خاص للفن التشكيلي يتسم بالمحلية وينبع من البيئة والتراث الشعبي». بعدها قرأ العريض شيئاً من سيرة اليوسف مما كان قد كتبه بناءً على طلب من العريض نفسه «في عام 1976 اقترح عليّ البعض وضع كتاب عن رواد الحركة التشكيلية في البحرين. كان ذلك في الرباط أثناء انعقاد المؤتمر الثالث لاتحاد الفنانين التشكيلين العرب. وجدت أن الفكرة جديدة التنفيذ، وكانت فكرتي أن أطلب من الفنانين المتواجدين على الساحة الفنية في البحرين، أن يكتب كل واحد منهم سيرة حياته الخاصة حتى يكون الكتاب جامعاً. وقد طلبت من ناصر أن يكتب سيرة حياته بخط يده».

عبدالله يوسف: المنتصر على البصر بنور التشكيل

تحت عنوان «حيثيات» بدأ يوسف حديثه حول تجربة الفنان الراحل مشيراً إلى أن الحديث عن تجربة الفنان التشكيلي الراحل ناصر اليوسف «صعب وسهل في الوقت ذاته، صعب لأنه رحمه الله أنجز تجربة تشكيلية زاخرة عريضة المساحة والتنوع من الصعوبة احتواؤها كلها حين ننوي الحديث عنها. والحديث سهل في الوقت ذاته لأن تجربة ناصر اليوسف احتفت بكل مفردات الحياة اليومية البسيطية في أحياء وأزقة وحواري مدن وقرى البحرين، حيث وثقت تجربته تشكيلياً الإنسان، النساء والرجال والأطفال والأزياء السائدة والحيوانات الأليفة والطيور والنخيل والأواني المنزلية والآلات الإيقاعية التقليدية والمعمار التقليدي الأصيل وغيرها مما كان سائداً في مجتمع البحريني. وكان ذلك ما يشبه الريادة في توثيق ذلك على المستوى التشكيلي والبصري، ما شكل ذاكرة غنية للفنان ذاته ولأهل البحرين».

وأضاف بأن اليوسف «أنجز بين العامين 1968 و1969، مجموعة من الرسومات اعتمد في تقنية تنفيذها الحبر الأسود. تميزت بتلقائية وبساطة متناهيتين، وبجزالة تعبيرية مدهشة. كانت تلك الرسومات خاصة لمواويل ديوان (عطش النخيل) الذي صدر في عام 1970 للشاعر علي عبدالله خليفة». الملفت في تلك التجربة، كما يضيف يوسف «أن ناصر اليوسف أنجزها في عنفوان وحيوية تجربته التشكيلية، وادخرها كمخزون لمشاريع تشكيلية قادمة في مشروعه التشكيلي الآخذ حينها في الترسخ والتفوق والسعي الواعي لتجاوز منجزات الحركة التشكيلية ليس في البحرين فقط بل في عموم منطقة الخليج». وأشار «أنجز اليوسف مجموعة كبيرة متميزة من اللوحات لاحقاً مستخدماً فيها مختلف الخامات والألوان وطرائق التنفيذ، ومطوراً فيها القراءات الرصينة العالية المستوى والدلالات والترميزات المختزلة، التي اتكأ فيها على مخزون منجزه التعبيري ودلالات المواويل وما أوحت به من مضامين».

لكن الملفت الأكثر اعتباراً وجدارة ومفاجأة، كما يشير يوسف «هو أن مخزون التخططات تلك وتقنية تنفيذها بالحبر الأسود، هي ذاتها التي استدرجها وأخضعها لاحقاً بتمكن واقتدار مدهشين لتنفيذ أعمال جديدة ملفتة حين خانه البصر، فيما ظل هو مخلصاً ووفياً لتلك التجربة التي أنجزها وهو مبصر، وكأني به يرد على البصر المغادر قائلاً: اذهب وحدك واتركني فلن أسمح لك أن تأخذ تجربة عمري معك». وأضاف «استعاض ناصر اليوسف عن خيانة البصر بنبل ووفاء البصيرة التي أحالته إلى مدخره الفني والتقني في الرسومات التي أمّن المواويل في عطش النخيل عليها. وهو يعي إلى أبعد الحدود وتماماً، أن المواويل لا تخون وأن النخيل لا تنكفئ».

ثم قال «بفضل بصيرة الوعي بكل ذلك، بدأ ناصر اليوسف بإرادة صلبة وهمّة عالية، تشكيل محطة مفصلية استثنائية في جغرافية مشروعة التشكيلي الخصب، وفي سياق كل الحركات التشكيلية بصفة عامة وحيثما كانت، لأن الرسم بالبصيرة موهبة يفتقدها حقيقة تشكيليون كثيرون».

الملا: تحدى الظلام بنور التشكيل

مدير الندوة الفنان محمود الملا قرأ أجزاء من مقالات نشرتها صحيفة «الوسط» إبان وفاة الفنان الراحل في عام 2006، حيث كانت صحيفة «الوسط» قد خصصت مساحة احتفت فيه بالفنان الراحل. قرأ الملا جزءاً من مقالة كان الفنان عبدالله يوسف نفسه قد كتبها للصحيفة حينها، قال فيها متحدثاً عن اليوسف بأنه «الفنان التشكيلي الذي حين كُفّ بصره تحدى الظلام بمزيد من نور التشكيل، وذلك في حدّ، حدوثه دلالة باهرة لملكة إبداعية تحدت خذلان أهم حاسة تسعفها على الإطلاق لرؤية أشياء الحياة كي تحيلها لوحات تشكيلية نابضة بالتعبير وبالزخم وبالجمال والقوة. وهو هنا يتماهى مع حال أخرى فريدة تمثلت في الموسيقار العبقري بيتهوفن، الذي أبدع أروع موسيقاه حين غادرته حاسة السمع إلى الأبد».

العدد 3738 – السبت 01 ديسمبر 2012م الموافق 17 محرم 1434هـ

Categories
مقالات ناصر اليوسف

ناصر اليوسف في غياب البصر وحضور البصيرة

«البحرين الثقافية» تحتفي برائد المدرسة التعبيرية
الوقت – حسين مرهون:

لم يكن الفنان ناصر اليوسف، وحتى وفاته في العام الماضي، يملك الكثير من البصر، ولكن الثابت أنه كان يملك الكثير من البصيرة. وحديثاً، تذكرت إحدى الدوريات الثقافية المحلية هذه الحكمة، فحجزت له مساحة الملف الرئيس بين صفحاتها. (البحرين الثقافية)
ويغطي الملف الذي جاء في 30 صفحة حياة اليوسف، من خلال 8 شهادات تناوب على كتابتها فنانون بحرينيون وعرب، وهو من إعداد الزميل عباس يوسف.
وكتب أسعد عرابي، وهو لبناني مقيم في باريس وباحث في علم الجمال منتقداً موقف بعض الفنانين من أعمال اليوسف ‘’يقع سوء فهم أعماله خلف استضعاف إعاقته بطريقة عنصرية، أو إثارة الشفقة على مصابه’’، مضيفاً ‘’نادرون الذين استطاعوا أن يجردوا العمل الفني من مشكلة صاحبه، لذلك سبق التقدير الخارجي الاعتراف المحلي’’.
وتابع موضحاً ‘’تكريمه في بينالي الشارقة العام 1996 سبق جائزة الدانة في المعرض السنوي العام’’ على حد تعبيره.
وولد الفنان ناصر اليوسف في فريق ‘’الحياييج’’ في المحرق العام ,1940 وهو يعد واحداً من رواد ومؤسسي الاتجاه التعبيري الحديث في البحرين. أقام الكثير من المعارض الشخصية واشترك في الكثير من المعارض الجماعية في البحرين ودول عربية وأوربية كما حصل على الكثير من الجوائز، وذلك قبل أن توافيه المنية في يوليو/ تموز العام الماضي.
وقال عرابي ‘’لم أخفِ حماستي لأعماله، مما سبب حساسية لدى عدد قليل من الزملاء المتعصبين للنموذج الغربي حيث درسوا’’، معتبراً أنه ‘’هنا نصطدم بالمشكلة المزمنة من سوء الفهم الذي يعانيه أمثال ناصر اليوسف مع موجة التثاقف التي تدعي المعاصرة والحدث’’.
وخلص إلى القول ‘’يرجع تأخر الاعتراف به إلى إفلاته من حساسية من تملّكَهم سلطان التقنية، وسطوة العقل والسهولة التغريبية’’، مستدركاً ‘’في حين أن كشوفاته تعتمد على الحيرة الوجودية’’ حسب تعبيره.
من جهته، رأى محمد العامري، وهو فنان وناقد تشكيلي من الأردن، أن لوحات اليوسف ‘’تسجل تاريخين، تاريخ العين المبصرة وتاريخ البصيرة في غياب البصر’’، موضحاً ‘’في مرحلة الإبصار كان الأكثر قصدية في أعماله كونه يعرف ما يذهب إليه في رسمه للأشكال الآدمية والعمائر التي بدت متلاحمة’’. وأضاف ‘’في مرحلة فقدان البصر وإشعاع البصيرة نرى أن أشكال الناس والبيوتات عنده صارت مفرغة إلا من الإيضاحات الخطوطية’’، عازياً ذلك إلى علاقته ‘’بالصورة المخزنة من أيام الإبصار، وبتثوير حاسة اللمس من باب التغلب على عدم الرؤية’’ حسب تعبيره.
يشار هنا إلى أنه، ومنذ فقدانه إلى حاسة البصر، اعتمد الفنان في تنفيذ أعماله على الورق والحفر، حيث يقوم في بداية الأمر بقطع الشكل المطلوب من الورق بواسطة المقص ومن ثم يضع هذا الشكل على قطع خشبية ويبدأ حفرها للوصول للشكل المطلوب بواسطة اللمس وصولا إلى طباعة الشكل المحفور على الورق فتظهر في الأخير لوحة تشكيلية واضحة.
وتابع العامري موضحاً ‘’أصبح يرى بخمس أعين بدلاً من العينين، أصبح كما لو أنه كائن تركز في منطقة النحت الملموس، فكان اللمس وسيلة التلذذ بما يفعل ليقدم قيماً أكثر فنية في التعبير وأكثر تأثيراً على المشاهد’’.

وفي شهادة فاروق يوسف، وهو ناقد وشاعر عراقي مقيم في السويد، كتب يقول ‘’كان مصراً على فعل الرؤية. ولأن الرسم يتطلب النظر، فإن ناصر اليوسف كان يرى بطريقته. وهي طريقة قد تحتمل الخطأ مثلما يحدث لنا جميعاً’’.
ورأى أن ‘’البحث عن أخطاء اليد في رسوم اليوسف إنما يعد فعلاً عبثياً’’، موضحاً ‘’فيده التي تفكر إنما تخترع فضاءً صورياً مختلفاً عما نراه ونتوقع رؤيته’’ على حد تعبيره.
وأضاف ‘’اخترع ناصر اليوسف من خلال رسومه سبلاً جديدة للعيش (…)، لذته تكمن في أنه يخترع رؤى من شأنها أن تتحول إلى مرئيات تصبح جزءاً من حياة معاشة’’. وعرف اليوسف بتمرده على أشكال الفن الجاهزة، وشهدت تجربته في أعقاب زيارة له إلى المغرب برفقة الفنانين إبراهيم بوسعد وعبدالكريم العريض وعبدالكريم البوسطة مطلع الثمانينات، (شهدت) انتقالاً من التشكيل إلى فن الحفر والطباعة. وقبل ذلك في العام ,1970 أسهم مع علي عبدالله خليفة في تأسيس شكل جديد للكتاب الشعري، حين طلب منه الأخير معادلة الشعر باللوحة لديوان (عطش النخيل) الصادر العام ,1970 حيث كانت هذه التجربة من التجارب الأولى لشكل جديد لكتب الشعر.
إلى ذلك، اشتمل ملف ‘’البحرين الثقافية’’ على شهادات أخرى لفنانين من البحرين عاصروا اليوسف، وهم عبدالله يوسف وعبدالجبار الغضبان وإبراهيم بوسعد وعباس يوسف، وتميزت جميعها بسرد محطات من السيرة الذاتية جمعت هؤلاء مع الفنان

Al-Waqt :: 6 February, 2007 – Download original pdf page.

Categories
مقالات ناصر اليوسف

نافذة للروح – في العتمة حيّاً وميّتاً،

في غمرة الحزن والأسى على فقدان فنان ورائد من رواد التشكيل في البحرين لا يمكنك أن تلوم الناس أو المهتمين عندما لا يبدون سوى الحزن والألم. ولكن عندما تخف حدة وطأة الخبر وتهدأ النفوس مما علق بها وتثوب إلى رشدها وتتبصر طريقها فهي معنية الآن بتلمس الاجابة على كثير من الأسئلة المرة. لأنها ببساطة ظلت تطرح طوال سنوات وسنوات مع موت أي فنان من دون أن تلقى اجابة شافية يمكنها التعويل عليها. فهل هو قدر مكتوب أن يموت الفنان مهمشا في حياته وبعد موته؟ وهل هو قدر الفنان أن يبدي الجميع الحزن عليه من دون أن يترجم هذا الحب إلى واقع؟

مات ناصر اليوسف وانتقل إلى رحمة ربه تعالى. ولكن حتى هذه الساعة لم تحرك أي من الجهات الرسمية والخاصة ساكنا عدا الصحافة المحلية التي لم تقصر في ابراز عطاء الراحل واستطلاع آراء المهتمين والمحبين وان كان غالبية ما نشر لم يخرج عن حدود الألم والتقدير. ولولا تأكيد أحد أبناء الراحل الكبير وهو باسم الناصر أن أبناء المرحوم بصدد انشاء متحف يحوي أعمال والدهم وذكرياته لما كان هناك شيء يذكر على أرض الواقع يحتفي باسم كبير مثل ناصر اليوسف.

هل نوجه أصابع الاتهام إلى جهة من دون غيرها؟ ليس من حقنا ذلك. ولكن نقول بحب كان يمكن للجمعيات الفنية التي شارك اليوسف في تأسيسها الاعلان مثلا عن معرض كبير تعرض فيه أعمال اليوسف. أو حتى إعداد ورشة تتناول جوانب من حياة وابداعات اليوسف أو إعداد كتيب عنه على أقل تقدير. فطالما سمعنا ممن عاصر واقترن اسمه من الفنانين بناصر اليوسف الدعوة إلى الاهتمام به وبأعماله لكن بقيت مجرد كلمات لا غير. فهل تعجز الجمعيات الفنية عن اسبوع فني تلقي فيه الأضواء على تجربة اليوسف الثرية؟

ثم ما حكاية ألم الفنانين الشباب لفقدان هذا الفنان الكبير وكلماتهم التي تقطر أسىً في حين أنك لو توجهت اليهم بالسؤال عما هم فاعلون تأكيداً للمنزلة الكبيرة للفقيد في نفوسهم لقالوا إنهم لا يملكون شيئا من ذلك لأنهم فنانون شباب والعقد والحل بيد الفنانين الكبار. هل تعجزون أيها الأحبة عن الاتفاق مع أي من الجمعيات الكثيرة في البحرين من أجل العمل على معرض أو ندوة أو غيرها كدليل على حبكم وتقديركم لما قدمه اليوسف؟ تذكروا أنكم ستحتاجون يوما إلى شيء من هذا الضوء. فلا أحد يحب البقاء في العتمة. وهل تصرون على أن يكون دوركم سلبيا كما هو شأن الجهات الرسمية في الدولة التي لم تكلف نفسها مقدار ساعة واحدة في التلفزيون أو الاذاعة تعرض فيها للناصر استطلاعاً أو تحقيقاً مصوراً؟،

Al-Wasat :: Ja’afar Al-Dairy :: 29 June ’06

Categories
مقالات ناصر اليوسف

بين ناصر اليوسف وابراهيم بوسعد‮.. ‬مسافة من الحب

كتب‮: ‬إبراهيم بوسعد
كنت دائم التجوال في‮ ‬سوق المنامة لعلّي‮ ‬أكتشف شيئاً‮ ‬ما له علاقة بالفن،‮ ‬وكان التنقل من المحرق إلى المنامة في‮ ‬فترة الستينات ليس عملية باليسيرة،‮ ‬حيث الباصات الخشب والانتظار ساعات طويلة ليمتلئ الباص ثم‮ ‬يتحرك‮.‬
ومع ذلك أحرص على التردد على المنامة وعمري‮ ‬لا‮ ‬يتجاوز الخمسة عشر عامًا‮. ‬فاكتشفت ثلاث نقاط رئيسية حرصت على الدوام عليها‮: ‬معرض أحمد باقر،‮ ‬مكتبة الطالب،‮ ‬ومعرض عبد الكريم العريض‮.‬
فأول لقاء مع ناصر اليوسف كان من خلال مكتبته‮ (‬مكتبة الطالب‮) ‬حيث كان من أوائل المهتمين باستيراد الأدوات الفنية،‮ ‬ومع ترددي‮ ‬المستمر على المكتبة،‮ ‬ليس لشراء الادوات الفنية بقدر ما كنت مشدودًا وبانبهار لمجموعة من التخاطيط بالأسود والأبيض،‮ ‬وكنت تواقًا أن أرى هذا الفنان عن قرب ولكن لم تسمح حتى الصدف بأن أراه في‮ ‬المكتبة ولو مرّة‮.‬
وبقيت مكتبة الطالب في‮ ‬الذاكرة رغم طول السنين ومازالت رسوم ناصر اليوسف محفورة في‮ ‬ذاكرتي‮ ‬ووجداني‮ ‬مثل صاحبها‮.‬
جمعية الفن المعاصر‮:‬
بعد تخرجي‮ ‬من جامعة بغداد‮ (‬قسم الرسم‮) ‬عام‮ ‬‭,‬1978‮ ‬التحقت بالجمعية ومن خلالها تعرفت عن قرب على ناصر اليوسف،‮ ‬فقبل الحديث عنه وعن متابعتي‮ ‬له ولرسومه من خلال مكتبة الطالب،‮ ‬استقبلني‮ ‬بابتسامة عريضة تنم عن طيبة وتواضع جم وذلك في‮ ‬معرض الجمعية الذي‮ ‬أقيم في‮ ‬فندق دلمون عام‮ ‬1980‮ ‬على ما أعتقد‮.‬
ومن ذلك توطدت علاقتنا وأصبح ناصر اليوسف بالنسبة لي‮ ‬الأب والأخ والصديق الذي‮ ‬كنت أستشيره في‮ ‬كثير من الأمور،‮ ‬وكنا نتحاور في‮ ‬شئون الفن وشجونه،‮ ‬ورغم فارق السن والتفكير كان متجددًا،‮ ‬موسوعة من الثقافة الفنية والحياتية،‮ ‬ووصلنا إلى مرحلة من التجانس تمخض ذلك عن معرض مشترك عن الغزو الصهيوني‮ ‬للبنان‮ ‬‭.‬1982
وهنا‮ ‬يجب الإشارة لإنسانية وموقف ناصر اليوسف بعد أن اعتذر الكثيرون عن المشاركة في‮ ‬هذا المعرض بحجة أن هذا سياسة،‮ ‬فأقدم بو محمود وبكل ثقة على المشاركة في‮ ‬هذا المعرض‮. ‬حيث كانت المعارض المعتادة في‮ ‬تلك الفترة‮ ‬يغلب عليها الطابع البيئي‮.‬
مهرجان أصيلة‮:‬
صدق المثل القائل إذا أردت أن تعرف صديقك جرّبه في‮ ‬السفر،‮ ‬رغم التنقل الدائم من مطار إلى آخر من لندن إلى باريس الى الدار البيضاء وبالعكس‮. ‬أتذكر جيدًا أنه هو الذي‮ ‬كان‮ ‬يتابع إجراءات التنقل والترحال لما‮ ‬يمتلكه من أسلوب في‮ ‬المعاملة وقدرة على التحدث باللغة الانجليزية‮. ‬وبعد استقرارنا في‮ ‬أصيلة والتحاقنا بورشة الحفر نحن الأربعة ناصر اليوسف وعبد الكريم العريض وكامل بركات وابراهيم بوسعد،‮ ‬والتحق اسحاق خنجي‮ ‬بقسم السراميك‮. ‬في‮ ‬بادئ الأمر كان اللقاء في‮ ‬الورشة بالنسبة لي‮ ‬عادياً،‮ ‬حيث إنني‮ ‬درست الحفر في‮ ‬جامعة بغداد وقد رأيت أدوات ومكابس الحفر سابقًا‮.‬
أما ناصر اليوسف فكان المكان بالنسبة له اكتشافاً‮ ‬جديداً‮ ‬بكل المقاييس ومن حسن الصدف كان الأستاذ المشرف على الورشة الفنان السوداني‮ ‬محمد عمر خليل الذي‮ ‬استفاد منه الجميع الكثير‮.‬
وبدأ ناصر اليوسف‮ ‬يتعايش مع خامات ومكابس الحفر حتى قرّر بعد عودتنا إلى البحرين أن‮ ‬يتكفل باستيراد المكابس والخامات الخاصة بالحفر،‮ ‬وفعلاً‮ ‬بعد عودتنا قام بإنجاز المعاملات الخاصة بالاستيراد ووصلت البحرين أربعة مكابس وقطع الزنك‮. ‬ولكن لم تتوفر مادة الطلاء‮ (‬البارنيش‮) ‬ولقد جربنا الكثير منها ولم تكن صالحة‮.‬
وبعد عناء وبحث استنتجه ناصر اليوسف من مادة‮ (‬القار الأسود‮) ‬وخلطه بمادة التربنتاين ثم تسخينه على النار،‮ ‬وقد نجحت التجربة وقد أثمر هذا الجهد عن أول معرض لفن الحفر في‮ ‬البحرين عام‮ ‬1982‮ ‬بمبادرة وجهد شخصي‮ ‬من ناصر اليوسف وبمشاركة عبد الكريم العريض وكامل بركات وإبراهيم بوسعد‮.‬
وبعد المعرض كانت لنا مشاركات متقطعة في‮ ‬مجال الحفر،‮ ‬واستمر ناصر في‮ ‬عطائه حتى بعد أن فقد البصر‮. ‬وقد فتحاً‮ ‬آفاق جديدة لبعض المشتغلين في‮ ‬هذا المجال خارج البحرين‮. ‬فبهذا‮ ‬يعتبر ناصر اليوسف مؤسس ورائد فن الحفر في‮ ‬البحرين إلى جانب ريادته للفن التشكيلي‮ ‬الحديث‮.‬
إنسانيته‮:‬
قلت سابقًا إنه بالنسبة لي‮ ‬ليس صديقًا بل أباً‮ ‬وأخاً‮ ‬واقتربنا أكثر من الناحية الفنية والإنسانية‮. ‬وكان‮ ‬يتحدث بمرارة عن أي‮ ‬تجاوز‮ ‬يحدث في‮ ‬مسيرة الفن التشكيلي‮ ‬ويمتلك بصيرة ثاقبة في‮ ‬طبيعة الأشخاص وأحيانًا‮ ‬يعاتبني‮ ‬ويحذرني‮ ‬وينصحني‮ ‬بأن لا أتمادى في‮ ‬مد‮ ‬يد العون باسم التشجيع واحتضان المواهب‮… ‬أتذكر كلماته‮: ”‬بوسعد إذا كان اختيارك خطأً‮ ‬سيكونون كالخنجر المسموم في‮ ‬خاصرتك قبل خاصرة الفن التشكيلي،‮ ‬فيجب أن تختار صح‮”.‬
لقد كان قلبه على الفن وعلى مسيرته بأن لا‮ ‬يتعرض إلى انتكاسات على‮ ‬يد أناس دخيلين على الفن‮. ‬لقد أسماهم‮ (‬بالطفيليين‮). ‬ولقد صدق رحمه الله،‮ ‬فقد كان اختياري‮ ‬خطأً‮ ‬في‮ ‬خطأ‮.‬
في‮ ‬مساء أحد الأيام اتصل بي‮ ‬متحدثًا عن مفاجأة وأصر على أن أزوره وفعلت‮.‬
أولاً‮: ‬قال انظر إلى هذا المكبس لقد أحضرته من اليابان متوسط الحجم سأنجز عليه لوحات أكبر من السابقة‮.‬
ثانيًا‮: ‬انظر إلى هذا الكناري‮ ‬وهو من الفصائل النادرة وأنوي‮ ‬تفريخه محليًا‮.‬
لم أندهش بذلك لأنني‮ ‬أعرفه شغوفاً‮ ‬بالطيور وأنواعها ويتتبعها علميًا،‮ ‬فمكتبته عامرة بالكتب الفنية والكتب العلمية المتخصصة في‮ ‬الطيور‮.‬
وفي‮ ‬مرسمه إلى جانب لوحاته مقتنيات لفنانين شباب‮ ‬يحرص دومًا على تشجيعهم والوقوف إلى جانبهم‮.‬
لقد سخّر حياته لأسرته وفنه ولم‮ ‬يكترث كثيرًا لتجارته،‮ ‬كان دومًا‮ ‬يتحدث عن الفن وهمومه،‮ ‬لم أسمعه قط تحدث عن امتيازات ومصالح،‮ ‬تعامل مع الفن كقيمة إنسانية راقية‮.‬
فنه‮:‬
يعتبر ناصر اليوسف من جيل الرواد الذين أثروا الحركة التشكيلية بمجموعة كبيرة من اللوحات،‮ ‬وتتميز لوحاته بالنضوج الفكري‮ ‬والتقني‮ ‬وذلك لمرجعيتها الإنسانية والثقافية الخصبة‮.‬
رغم اطلاعه الواسع على الفنون الأوروبية وتحولاتها إلا أنه ظل مخلصاً‮ ‬لانتمائه البيئي،‮ ‬فسخّر كثيراً‮ ‬من الموتيفات التراثية والبيئية في‮ ‬لوحاته‮.‬
أسرته‮:‬
كان شغوفًا بأسرته‮ ‬يحدثني‮ ‬عنهم جميعًا ابتداءً‮ ‬من محمود وانتهاءً‮ ‬بمها التي‮ ‬مازلت أحتفظ بصورة لها مع كتكوت بين ذراعيها‮. ‬مؤكدًا على تربيتهم تربية صالحة معتمدًا على تسلحهم بالعلم والمعرفة والأخلاق الكريمة‮.‬
أتذكر كنت في‮ ‬زيارة له وكنا مجتمعين وسمعت من بعيد صوت‮ ‬يردد أسماء أبنائه كمال‮.. ‬جمال‮.. ‬محمود‮. ‬ثوانٍ‮ ‬حتى دخل صاحب هذا الصوت لأفاجأ بأنها بغبغاء‮. ‬وضحك الجميع من الدهشة التي‮ ‬بانت على وجهي‮.‬
فلم أتخيل أن أقف في‮ ‬يوم‮ ‬17‮/‬6‮/‬2006‮ ‬وجهًا لوجه لتقديم العزاء إلى الأعزاء محمود وكمال وهاني‮ ‬وجمال في‮ ‬فقيدنا وأستاذنا العزيز ناصر اليوسف‮.‬
الذي‮ ‬أسميت ابني‮ ‬ناصر تيمنًا به وبجمال عبد الناص

Al-Watan :: Ebrahim Bu-Sa’ad :: 24 June ’06